أنظمة الخليج المطبّعة لا تجرؤ، من جانبها، على إعلان صريح بنيّة مواجهتها الجمهوريّة، وتفضّل أن تؤدّي دورًا مزدوجًا بُعيد انكسار أهداف العدوان على الجمهوريّة. فهي تتواطأ مع الأمريكيّين والصهاينة من ناحية، ومن ناحية أخرى تؤيّد الاتفاق السلميّ مع إيران وتدعو إلى الأمن والاستقرار في المنطقة.
لا يشذّ آل خليفة عن هذه الازدواجيّة، ولكنّ ارتباطهم الوثيق بالأمريكيّين وكيان الإبادة الصهيونيّ يفضح حقيقة ميولهم نحو العدوان، وانخراطهم في التآمر والتحريض غير المحدود على الجمهوريّة وجبهة المقاومة في لبنان واليمن والعراق والبحرين.
فهل يكون نظام آل خليفة في البحرين الاختبار الأوّل للجمهوريّة لفضّ المؤامرة المتوارية خلف السياسات المزدوجة لأنظمة الخليج؟
ثمّة وقائع أساسيّة في خصوص العلاقة بين الجمهوريّة وآل خليفة، فقبل الحرب، أكّد المسؤولون الكبار في الجمهوريّة، بصورة قاطعة، أنّهم لن يفتحوا الباب لآل خليفة، ورفضوا أيّ تقارب أو تواصل دبلوماسيّ مع نظامهم. قبل سنوات قليلة؛ أكّدت مصادر عدّة أنّ القيادات الإيرانيّة أبلغت آل خليفة أنّ رسائلهم التي تطلب عودة العلاقات الدبلوماسيّة لن تجد ردًّا إيجابيًّا إلّا في حال رفع القمع عن المواطنين الشيعة في البحرين، وإيقاف الاضطهاد الدينيّ، وإعادة ترتيب الوضع الحقوقيّ في البلاد. وما بين العامين 2022 و2023 راوغ النظام الخليفيّ عبر إيقاف بعض انتهاكاته، بما في ذلك تنظيم إفراجات واسعة عن السجناء السياسيّين، غير أنّه ناور على المشهد من خلال ربط الإفراجات وسلّة الدعايات الجديدة في «الإصلاح» بإرادة وزارة داخليّته، وعدم رهنها بمطالب المعارضة أو شروط إيرانيّة حاسمة لإعادة الروابط الدبلوماسيّة، وكان من ذلك إعلان سلمان الخليفة في أبريل 2023 تأسيس «اللجنة الوطنيّة لحقوق الإنسان» لتنفيذ «الخطة الوطنيّة لحقوق الإنسان» التي تأسّست في 2022 تحت إدارة وزارة الخارجيّة. وعلى هذا النحو، تحرّك مسار لافت من الإفراجات أوحى أنّ النظام في طريقه إلى تحقيق أجواء حقوقيّة تُسهل التهيئة لمرحلة جديدة يصرّ عليها الإيرانيّون لإطلاق قطار العلاقات بين البلدين.
فماذا حدث بعد العدوان على الجمهوريّة؟ وهل انكشف خداع آل خليفة؟
منذ الساعات الأولى لعدوان فبراير على الجمهوريّة، وخاصّة مع استشهاد الإمام الخامنئي «قدّه»؛ لم يُمسك آل خليفة أنفسهم عن الاندفاع المنفلت نحو ما كانوا يظنّون أنّه الانتصار الكبير للعدوان، وإنهاء النظام الإسلاميّ في إيران. لم يكن الأمر مجرّد تغيير طارئ في الحسابات، أو الشعور العارم ببهجة الانتصار وهم يرون القنابل الأمريكيّة تُقذف على إيران، بل تعود المسألة إلى التموضع الجوهري لآل خليفة، واختيارهم منذ البدء أن يكونوا في جبهة الأمريكيّين والصهاينة، بما يمليه ذلك من استعداء كامل لإيران والمقاومة، والاصطفاف مع كلّ السياسات والتحالفات التي تعدّها إرهابًا، وتعمل على محاصرتها، والتآمر على القضاء عليها بقوّة النار والفتن وأجهزة الاستخبارات.
ومن هذا المنطلق، ألحق آل خليفة تواطؤهم في العدوان على الجمهوريّة بشنّ حرب تطهير غير مسبوقة على الشيعة في البحرين، أي أنّهم لم يكونوا في وارد إغاظة الإيرانيين وردّ شروطهم السابقة فقط؛ بل اعتمدوا زيادة مستويات الاضطهاد والقمع، وتجاوزه كلّ الخطوط الحمر، كما ظهر مع حملة اعتقال كبار العلماء، وإهانتهم علنًا، واتهامهم بالارتباط بالحرس الثوريّ، وإسقاط الجنسيّة عن العشرات والتهجير الجماعيّ، مع التهديد بمزيد من الحملات القمعيّة، وفرض أجواء من الإرهاب لإسكات المواطنين، وصولًا إلى تجديد الحرب على الشعائر، وتجريم الفرائض الدينيّة، وإحكام السيطرة على شؤون الوقف الجعفري، وكلّ ما له صلة بشؤون المواطنين الشيعة وعقائدهم.
ما سبب انتفاخ آل خليفة في أجواء الحرب على إيران؟
يمكن التوقّف عند أكثر من مؤشّر يؤكّد أنّ إرهاب آل خليفة وحربهم على شيعة البحرين جاء في معرض إظهار «التحدّي» للجمهوريّة، وللقول إنّهم لم يعودوا معنيّين بإعادة العلاقات معها، ولا النظر تاليًا في الشروط المطروحة لذلك، وكما ظهر في مايو 2024 عندما تمنّن الطاغية حمد الرئيس الروسيّ بوتين للتوسّط بينه وبين الإيرانيّين. من بين المؤشّرات الأخيرة، قرار سلمان الخليفة في 30 يونيو 2026 بإعادة مسمّى «اللجنة الوطنيّة لحقوق الإنسان»، وتحويلها إلى «لجنة الشؤون الدوليّة لحقوق الإنسان»، مع تعيين أعضاء فيها يرتبطون بالأجهزة الأمنيّة والاستخبارات.
وهذا القرار هو كإعلان خليفيّ عن إنهاء المسار «الحقوقيّ» السابق، والبدء في مسار آخر مغاير، يتمحور حول ربط حقوق الإنسان بالشؤون الدوليّة، وليس بالوضع الداخليّ في البلاد، بما يكرّس أجواء الحرب، وانتفاخ آل خليفة باستمرار التهديد الأمريكيّ- الصهيونيّ بإعادة العدوان على إيران.
هل يأخذ الإيرانيّون خطابات الطاغية حمد على محمل الجدّ؟
على المستوى العمليّ، يدرك الإيرانيّون أنّ آل خليفة مجرّد واجهة لقوى إقليميّة ودوليّة، ولا يأخذون بجديّة ما يصدر عنهم من خطابات مضخّمة تعبّر – في نهاية المطاف – عن المآزق النفسيّة والسلطويّة والجيوسياسيّة التي تتزايد حول نظامهم، وهو ما يتكشّف بين حين وآخر في خطابات الطاغية حمد وفلتات لسانه. وفي الوقت نفسه، لا يمرّر الإيرانيّون لآل خليفة تورّطهم في العدوان، كما أنّهم ينظرون إلى ما وراء مجريات الأمور على أرض البحرين، واعتبارها بيئة مناسبة لكي يوجّهون درسًا صافيًا للحلف الأمريكيّ- الصهيونيّ، وإظهار حدود الردّ الإيرانيّ على أيّ عدوان مقبل.
عبّر مستشار قائد الثورة الإسلاميّة «علي أكبر ولايتي» في تصريحات صحافيّة بتاريخ ٢٩ يونيو ٢٠٢٦ عن جوانب بيّنة من هذا الأفق الاستراتيجيّ الممتدّ إلى البحرين، مشدّدًا على أنّ إيران قد تضطرّ إلى اتخاذ قرارات حازمة في حال لم يتوقّف آل خليفة عند حدودهم، محذّرًا إيّاهم بـ«ألّا يعبثوا بمصيرهم». وقد اختار ولايتي أن يربط بين التلويح بمصير آل خليفة وتجديد الشروط الإيرانيّة لإقامة علاقات معهم، مشدّدًا بوضوح على إيقاف اضطهاد الشيعة، وصون حقوق الشعب والمواطنين الأصليّين في البحرين، وإنهاء القمع والاعتقال عن علماء الدين، بما في ذلك آية الله الشيخ عيسى قاسم، مؤكّدًا أيضًا حقّ العودة الآمنة وغير المشروطة إلى الوطن.
هل يستجيب آل خليفة لشروط ولايتي أم يختارون الذهاب إلى لهيب أغسطس؟
بناء على طبيعة نشأة آل خليفة في البحرين، وتحوّلهم من قبيلة غازية استيطانيّة، إلى قبيلة فاسدة تعتاش على التوحّش الإقليميّ والدوليّ؛ فإنّ مجرى الأحداث قد تلزم الإيرانيّين بتنفيذ ما ذكره ولايتي: بوضع مصير آل خليفة على مسرح الأحداث التي يُشاع أنّها ستلتهب مع ارتفاع حرارة شهر أغسطس. وهو سيناريو قد يتحقّق وفق التحذير الذي وجّهه ولايتي أيضًا، وذلك عندما قال إنّ الأمريكيّين، وعلى غرار الاستعمار البريطانيّ، يعملون على إيهام أنظمة الخليج بالقوّة المتخيّلة، لإشعارهم بإمكان خوض مواجهة ضدّ إيران. هذا الإيهام التوريطيّ يجد أمثلته في زيارات العسكريّين الأمريكيّين إلى المنامة، وكذلك الوعود الوهميّة التي سمعها الجلّاد ناصر – ابن الطاغية حمد – في جولته الأخيرة بواشنطن.
ولكنّ المثال الأوضح على سيناريو الانتحار الوشيك هو الاجتماع الذي قادته في الأوّل من يوليو 2026 القيادة المركزيّة الأمريكيّة (سنتكوم) في المنامة، واستضافته ما تُسمّى قوّة دفاع البحرين، بمشاركة قادة دفاع 12 دولة، شملت دول الخليج، إضافة إلى سوريا ولبنان واليمن ومصر والأردن. بحسب قائد القيادة الأمريكيّة «براد كوبر» فإنّ اللقاء كان حوارًا أمنيًّا إقليميًّا لتعزيز التعاون العسكريّ المشترك بقيادة واشنطن، إضافة إلى تبادل المعلومات والتحذيرات من التهديدات. ومن غير المستبعد، إذن، أن يأتي ذلك في سياق السياسة الأمريكيّة لتضخيم «وهم القدرة على المواجهة» لدى دول الخليج، والقول إنّ واشنطن ستبقى سندًا عسكريًّا لها لمواجهة ما تعدّه هذه الدول «تهديدا إيرانيًّا».
بناء على ما سبق، لا يمكن أن يغيب عن الإيرانيّين أنّ دول التطبيع في الخليج اختارت البقاء في دائرة التواطؤ ضدّ الجمهوريّة، ولم تُخف هذه الأنظمة نظرتها إلى إيران على أنّها «تهديد» لها، بما يعنيه ذلك من دلالات عسكريّة، خصوصًا أنّ هذا الموقف تجدّد في البيان المشترك الأخير الذي جمع وزراء خارجيّة أنظمة الخليج مع وزير الخارجيّة الأمريكيّ روبيو إلى المنامة. وبالنظر إلى طبيعة الدروس المستفادة، فإنّ الإيرانيّين لن يتركوا الأحداث تتحرّك وحدها من دون تدخّل، وإلى أن يقع المحذور، بل ستكون لديهم المبرّرات الكافية لشحن اندفاعة موازية تزيل مواطن الخطر الوشيك، واستباقيًّا، وخارج المتوقع. ومن البيّن أنّ نظام آل خليفة سيكون هو خيار الإيرانيّين المفضّل في هذا المجال، لأنّ آل خليفة يمثّلون النموذج المصغّر للعدوّ الذي يجب أن يتلقّى تطبيقًا لشكل الصفعة الاستراتيجيّة المنتظرة، ولتكون الدرس الكامل لبقية الأعداء الصغار، والكبار.
![التحليل السياسي [ 9 ]: هل آل خليفة مستعدّون للهيب أغسطس؟ كيف سيكون الردّ على استمرار أنظمة الخليج في التواطؤ مع العدوان على الجمهوريّة؟](https://14f2011.com/feb/../nfiles/2026/07/Screenshot_٢٠٢٦٠٧٠٣_١٧٠٨٤٦_Gallery-90x60.jpg)
![التحليل السياسي [ 9 ]: هل آل خليفة مستعدّون للهيب أغسطس؟ كيف سيكون الردّ على استمرار أنظمة الخليج في التواطؤ مع العدوان على الجمهوريّة؟](https://14f2011.com/feb/../nfiles/2026/07/عائلة-آل-خليفه-686x470-1-150x150.jpg)















