ما سبب انعدام قدرة آل خليفة على التعايش مع المواطنين الأصليّين؟ وما علاقة التطبيع مع كيان العدوّ بهذا الموروث الخليفيّ؟
يدرك آل خليفة أنّهم غير مستعدّين للتعايش مع المواطنين الأصليّين في البحرين، ليس فقط لأنّهم غير قادرين على التخلّص من موروث الغزو الممتدّ لأكثر من 250 عامًا، وبما يجعلهم غير مؤهّلين لبناء دولة حقيقيّة؛ ولكن أيضًا لأنّ المواطنين في البحرين لديهم بدورهم امتداد تاريخيّ وثقافيّ (هويّة جماعيّة راسخة) لا تجد ما يوازيها أو يتقاطع معها أو يتصالح معها في الطرف الآخر. بمعنى آخر، فإنّ انعدام أسباب اللقاء والتواصل والثقة والبناء المشترك بين آل خليفة وشعب البحرين؛ يجعل كلا الطرفين في دائرةٍ منفصلة، تتّسع يومًا بعد آخر، لتنهي أيّ مساحة ممكنة للتلاقي والقبول المتبادل. هذا التمايز الجوهريّ (المبنيّ على تعارض هويّة الجانبين) يتجلّى عمليًّا في تحديد نوع الإجابات عن الأسئلة الآتية: ما نوع الدولة المناسبة في البحرين؟ أيّ نظام سياسيّ هو الأفضل والممكن في تحقيق الأهداف؟ من هو العدوّ ومن هو الصديق (التحالفات الخارجيّة)؟
لماذا يزيد القمع والاضطهاد كلّما تعمّق آل خليفة في التطبيع؟ وهل الاحتجاج على التطبيع يوجب رفض النظام الخليفيّ؟
فرضَ آل خليفة – منذ احتلالهم البحرين حتى اليوم – شكلًا يشبه دولة القبيلة، انبثق عنها نظام سياسيّ يقوم على التمييز والامتيازات لصالح الشيوخ وأتباعهم واستعداء عموم المواطنين. وعلى المستوى الخارجيّ؛ استتبع ذلك بناء علاقات وتحالفات توازي العقل القبائليّ وطبائعه، وتلبّي سياسات الاستئثار بالحكم والغنيمة والفساد المقنن (التمييز والامتيازات). لقد كان مجمل هذه المحصّلة الأرضيّة التي تأسّست عليها الاحتجاجات والانتفاضات التي شهدتها البحرين على مدى عقود، ومنها الاحتجاجات الشعبيّة في خصوص رفض اتفاقات التطبيع وافتتاح سفارة الكيان في المنامة. فهذه الاحتجاجات، في جوهرها، لم تكن تقتصر على معارضة التطبيع – بما هو شكل من أشكال العلاقات الخارجيّة للنظام – بل ثمّة جذور أعمق لامستها تلك الاحتجاجات، وتتّصل بالأسئلة الثلاثة المذكورة أعلاه، والإجابات القهريّة التي فرضها آل خليفة عن هذه الأسئلة، وما آلت إليه من أزمات ومواجهات أثقلت كاهل العباد والبلاد، وعلى النحو الذي شيّد تلك الفواصل السميكة والعوازل الحادة بين آل خليفة وشعب البحرين. وفي النتيجة، أصبح الاحتجاج على التطبيع احتجاجًا على النظام وطبيعته غير السويّة، كما أنّ إعلان الاعتراض على اتفاقات التطبيع هو الوجه الآخر للاعتراض على هويّة هذا النظام غير المنسجمة مع هويّة المواطنين وخياراتهم وإجاباتهم عن سؤال الدولة والنظام السياسيّ والتحالفات الخارجيّة.
كيف هو المشهد في البحرين بعد مرور ستّ سنوات على ذكرى اتفاقات التطبيع المشؤومة؟
مع حلول الذكرى السادسة المشؤومة لاتفاقات «أبراهام»؛ يمكن ملاحظة أنّ آل خليفة أصبحوا أكثر عدوانًا على الشعب، وأكثر شراسة في مواجهة هويّته وشعائره وأصوله التاريخيّة. وهذا الأمر سيبدو «منطقيًّا» إذا نظرنا إلى مسألة التطبيع من المنظور السابق ذكره. فكلّما أمعن آل خليفة في التطابق والالتحاق بالصهاينة وسّعوا نطاق الاستبداد، وزادوا البطش والاضطهاد، وصولًا إلى إطالة التحالف مع قوى الهيمنة الخارجيّة، جنبًا إلى جانب تحويل البلاد إلى منصّات مفتوحة لمشاريع الخارج في العدوان وإثارة الحروب والفتن.
ولذلك، وفي النتيجة أيضًا، فإنّ النضال السياسيّ في البحرين، والتمسّك بالمطالب السياسيّة وعلى رأسها إقامة نظام سياسيّ يقوم على الإرادة الشعبيّة؛ هو الوجه الآخر لمواجهة التطبيع ورفض التحالف مع قوى العدوان، والعكس صحيح.
تلك المسألة يمكن تعميمها أيضًا على بقيّة دول الخليج الأخرى، وتحديدًا المرشّحة للانخراط في عار التطبيع، كما يُسرّب في الآونة الأخيرة بشأن الكويت. فالنظام الكويتيّ سرّع في السنوات القليلة الماضية من سياساته في تقويض الحريّات العامّة، وتحوّل إلى نظام قمعيّ وفاسد وسيّئ الذكر في تقارير المنظّمات الحقوقيّة، وقد كان ذلك الأساس الذي انطلق منه لشنّ حملات ذات طابع طائفيّ على المواطنين الكويتيّين، وتجريم الشعائر الدينيّة للشيعة، ومن ثمّ الانخراط المكشوف في معاداة جبهة المقاومة وتجريم أيّ دعم أو تأييد لها وفرض المحاكمات الجائرة وإسقاط الجنسيّات على منْ يُتهم بذلك. لقد شكّل انفصال حكّام الكويت عن الملامح المتبقيّة من الدولة الديمقراطيّة، وإعلان حرب الهويّة والاضطهاد الدينيّ على المواطنين المقدّمات المنطقيّة التي تفضي إلى اندفاعهم نحو الاصطفاف مع قوى العدوان، كما حصل في تواطؤهم في الحرب المفروضة على الجمهوريّة الإسلاميّة، ليكون ذلك المسار الطبيعيّ لينتهي بهم الحال – عاجلًا أو آجلًا – إلى التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيونيّ.






















