شكّل ملفّ التمويل والحرب الاقتصاديّة عنوانًا ثابتًا في التحالفات الخارجيّة التي ربطت نظام البحرين بالخطط الأمريكيّة والصهيونيّة، وتحديدًا تلك التي تستهدف جبهة المقاومة بقيادة إيران. ولم يكن الموضوع الماليّ مجرّد تعبير عن التوجّه الاستراتيجيّ لتجفيف مصادر التمويل، وفرض الحصار المقاومة وجبهاتها، بل كان أيضًا منطلقًا لتوسعة متمدّدة لهذا اللون من الحروب تحت عنوان «مكافحة الإرهاب»، بما يشمل العبادات الماليّة «الخمس، الزكاة، الصدقات، التبرّعات، الأوقاف..»، وتصنيف كلّ ذلك كأدوات مجرّمة وربطها بتمويل الإرهاب وغسل الأموال. وكان النظام في البحرين من الأنظمة السبّاقة في الانخراط داخل هذه المنظومة المتعدّدة الأشكال، والتي تباشر الخزانة الأمريكيّة تنظيم إيقاعها وتحديد سياساتها وفرض الالتزامات.
في أيّ سياق جاء اتصال وزير الخارجيّة الخليفيّ «عبد اللطيف الزياني» بوزير الخزانة الأمريكيّ «سكونت بيسنت»؟ وما علاقة الحرب على فريضة الخُمس بالحروب الماليّة الأمريكيّة على جبهة المقاومة؟
جاء اتصال وزير الخارجيّة الخليفيّة الزياني بوزير الخزانة الأمريكيّ بيسنت، ودعمه العقوبات الجديدة ضدّ إيران؛ ليكشف مسارًا قديمًا ووثيقًا من الخدمات التي تولّاها النظام في الحروب الماليّة والاقتصاديّة التي تشنّها واشنطن على الدول والقوى والشخصيّات التي تصنفّها على قوائم الإرهاب. وقد أخذ هذا المسار مراحل متعدّدة، خصوصًا في السنوات الخمس الأولى بعد العام 2011، إذ باشرت أجهزة النظام التدرّب العمليّ على تنفيذ برامج وسياسات التعقّب الماليّ للمعارضين على خلفيّة مواجهة الاحتجاجات الشعبيّة في البلاد. فلم يكتفِ النظام بسياسات القمع والإرهاب الجسديّ والمعنويّ، بل طبّق أيضًا جملة من الإجراءات التي تركّزت قطع مصادر التمويل، وشكّلت قضيّة آية الله الشيخ عيسى قاسم في العام 2016 ومصادرة الأموال الشرعيّة لمكتب سماحته، العنوان المباشر لمحاربة فريضة الخُمس بعد إدراج جمع الحقوق الشرعيّة ضمن تهم جمع الأموال من دون ترخيص وغسل الأموال وتبييضها، وأصدرت المحكمة في وقتها أحكامًا بمصادرة أموال وعقارات ذات صلة بالحقوق الشرعيّة.
كيف شكّلت قضيّة «بنك المستقبل الإيرانيّ» في المنامة مؤشّرًا على دور النظام القديم في تنفيذ السياسات الأمريكيّة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة؟
ارتبطت قضيّة آية الله قاسم والحرب على فريضة الخُمس بقضيّة «بنك المستقبل الإيرانيّ» في المنامة، التي فضحت الدور القديم الذي كان يتولّاه النظام في تنفيذ السياسات الأمريكيّة التي تستهدف الأموال الإيرانيّة. فقد أُغلق البنك وصودرت أمواله في قضيّةٍ امتدّت من العام 2015 حتى العام 2021 بصدور أحكام في البحرين قضت بسجن مسؤولي البنك، وفرض غرامات ضخمة، فضلًا عن مصادر نحو 1.3 مليار دولار، وهو ما رفضته إيران واعتبرت الأحكام مسيّسة، ولجأ المساهمون في البنك (بنك ملي وبنك صادرات) إلى التحكيم الدوليّ، الذي جاء لصالح المصارف الإيرانيّة، إذ أصدرت هيئة التحكيم في نوفمبر 2021 حكمًا يُلزم نظام البحرين بدفع تعويضات تجاوزت 200 مليون يورو، ورفضت محكمة الاستئناف في لاهاي محاولات النظام إلغاء قرار التحكيم، وأيّدت الحكم لصالح البنوك الإيرانيّة.
على المستوى المحلّي، ثمّة منظومة حكوميّة لإدارة الحرب على الأموال الشرعيّة وتقييد جمع التبرّعات، انطلاقًا من خطّة رسميّة عالية المستوى ترمي إلى قطع كلّ إمدادات الدعم الماليّ لحركة الاحتجاج الشعبيّ، وتضييق الخناق على البيئات المعارضة واجبارها على الاستسلام السياسيّ. وفي هذا السياق تبرز شخصيّة «مي بنت محمد بن خليفة الخليفة»، الرئيسة التنفيذيّة للمركز الوطنيّ للتحرّيات الماليّة وتمويل الإرهاب، التابع لوزارة الداخليّة، وترأس مي (وهي غير مي بنت محمد المسؤولة السابقة في هيئة الثقافة) لجنة وضع سياسات حظر ومكافحة غسل الأموال، لتكون أعلى هيئة تنسيقيّة وتنفيذيّة في البحرين في هذا الملفّ (وتضمّ ممثّلين عن وزارات الداخليّة، والماليّة، والصناعة والتجارة ومصرف البحرين المركزي، والنيابة العامّة وغيرها)، كما أنّها الجهة المعنيّة بإعداد ما يُسمّى الاستراتيجيّة الوطنيّة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلّح، التي تعمل وفق اللوائح والسياسات الأمريكيّة، وتشارك هذه اللجنة في اجتماعات إقليميّة ودوليّة دوريّة تتصل بالاستخبارات الماليّة، ومنها مجموعة «مينافاتف MENAFATF» (مجموعة العمل الماليّ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) التي تأسّست في نوفمبر 2004 خلال اجتماع عُقد بالمنامة، لتكون الأخيرة مقرّ سكرتاريّتها الدائمة.
يمكن القول إنّ سياسات الحصار الماليّ التي اعتمدها النظام ضدّ المعارضة في البحرين، جاءت في سياق أمريكيّ وصهيونيّ نتيجة ظلّ تقاطع المصالح المشتركة – أمنيًّا وسياسيًّا – في مواجهة الجمهوريّة الإسلاميّة، فضلًا عن أنّ وجود تحالفات تجمع آل خليفة بالأمريكيّين والصهاينة يفرض عليهم الالتزام العمليّ بالعقوبات والإجراءات الماليّة التي تستهدف الجهات والشخصيّات المعادلة للمشروع الأمريكيّ- الصهيونيّ، خصوصًا جبهات المقاومة في لبنان والعراق واليمن والبحرين وغيرها. ويمكن الإشارة في هذا الصعيد إلى ما تُسمّى الاتفاقيّة الشاملة للتكامل الأمنيّ والازدهار التي وقّعها النظام مع الأمريكيّين، وكذلك اتفاقيّة التبادل الضريبيّ واتفاقيّة التجارة الحرّة (2006)، فضلًا عن عضويّة النظام في مجموعة «مينافاتف» ومجموعة العمل المالي FATF التي تأسّست في العام 1989، وتمثّل المظلّة الحكوميّة الأولى المسؤولة عن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحديدًا وفق الرؤية الأمريكيّة وما تفرضه الهيمنة الأمريكيّة، ماليًّا واقتصاديًّا، من التزامات إجباريّة على حكومات دول العالم، وهي التزامات تعبّر عن التبعيّة للمشروع الأمريكيّ وأجندته العدوانيّة، ومن المؤكّد أنّ التصدّي لهذا المشروع من إيران وجبهة المقاومة سيشمل تكبيد أدواته الإقليميّة التبعات الكاملة والباهظة، ولا شكّ في أنّ نظام البحرين سيكون على رأس هذه القائمة.













