لماذا اختار الطاغية حمد في أجواء ذكرى الاستقلال أن يستقبل مسؤولًا عسكريًّا بريطانيًّا؟ وهل وجود مجسّم «مسجد الخميس» وسيلة لإخفاء العدوان على الشعب والارتهان لأعداء الأمّة؟
اختار «الطاغية حمد»، في أجواء عيد الاستقلال هذا العام، أن يستقبل نائب رئيس أركان الدفاع البريطانيّ للشؤون الاستراتيجيّة والعمليّات «تشارلي كولينز»، في سلوكٍ اعتاده كلّما وقع في مأزق جديد – داخليًّا وخارجيًّا – ولا يعرف طرق الخروج منه، إلّا بزيادة المأزق والغرق فيه. وإذا نظرنا إلى سياق الحرب المفتوحة الجديدة على كلّ ما يمتّ بالشعب وهويّته وتاريخه من صلة وروابط؛ فإنّ علينا ألاّ نقلّل من دلالةِ زيارة هذا المسؤول العسكريّ للبلاد، واجتماعه بالطاغية وبقيّة المسؤولين العسكريّين الخليفيّين، ونشير في هذا الخصوص إلى رسالة «الصورة» التي أُريد تعميمها في مجلس استقبال المسؤول البريطانيّ، إذ وُضع أمام الطاغية حمد مجسّم لمسجد الخميس (مسجد المنارتين) وخلفه المصحف الشريف. وهي حيلة مكشوفة ترمي إلى إضفاء مسوح دينيّة على الطاغية ونظامه غير الشرعيّ، أملًا في ترميم صورته التي بان سوادها مع عداوته العلنيّة لعقائد المواطنين وشعائرهم من جهة، وارتهانه المطلق لأعداء الأمّة من الأمريكيّين والصهاينة من جهة أخرى.
ما الذي جرى بعد العامين 2023 – 2026 على صعيد انتهاك السيادة والوطنيّة في البحرين؟ وكيف كانت حرب الإبادة في غزّة والعدوان على إيران اختبارًا كاملًا لتبعيّة آل خليفة بقوى العدوان؟
أوقع آل خليفة البحرين خلال الأعوام 2023 – 2026 في أسوأ وضع سياسيّ وسياديّ مرّت بها منذ عقود طويلة، فمنذ طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزّة، وصولًا إلى الحرب العدوانيّة على إيران؛ انتهك الطاغية حمد كلّ حدود السيادة والوطنيّة والاستقلال للبحرين وشعبها، بما يفوق كلّ ما عانته البلاد قبل نيل الاستقلال، وما جرى بعده. فقبل ذلك، كانت البحرين تواجه تحدّيات جمّة على صعيد غياب العقد الاجتماعيّ، وانعدام الشرعيّة الشعبيّة والدستوريّة لآل خليفة، جنبًا إلى جنب تنفيذهم استراتيجيّتين متلازمتين تستهدفان الوجود الأصيل للمواطنين، الأولى: استراتيجيّة انتهاك كرامة المواطن وعزّته (عبر عمليّات عدة من الإفقار والإفساد)، والأخرى: استراتيجيّة تدمير هويّة المواطنين وتاريخهم (من خلال سلسلة متداخلة من الاضطهاد وتجريف الذاكرة). وفي حين كان الارتباط بالخارج، وانتقاص السيادة موردًا أساسيًّا في النقاش السياسيّ، جرى الاختبار الكامل لهذه المسألة بعد حرب الإبادة على غزّة، والعدوان على إيران، إذ سقطت قطعة القماش الأخيرة، وتبيّنت أقصى درجات التبعيّة المطلقة التي تربط آل خليفة بقوى العدوان الأجنبيّة، سواء من خلال القواعد الأمريكيّة والتطبيع ومنصّات التجسّس الصهيونيّة المزروعة في البلاد، أو الانصهار في التحالفات المعادية لقيم المنطقة وشعوبها.
لماذا أصبحت ذكرى استقلال البحرين اليوم محفوفة بشوائب تعكّر على الشعب الاحتفال بها؟
في السنوات الماضية، كانت ذكرى الاستقلال تمثّل محطّة لاستذكار النضال الوطنيّ، وتمجيد الأسماء اللاّمعة التي يفخر بها شعب البحرين لما قدّمته من التضحيات في سبيل إخراج المستعمر البريطانيّ من البلاد. لكنّ هذه الذكرى باتت اليوم محفوفة بشوائب تعكّر على شعب البحرين الاحتفال بها، وهي المغيّبة أصلًا من روزنامة آل خليفة. فالبلاد التي كان يتحسّر المواطنون – بعد العام 2000 – على أنّها أضحت مستباحة من الأغراب والمرتزقة، تأكّد اليوم أنّها أصبحت مسلوبة الإرادة والسيادة وبالكامل، بسبب التحاقها المطلق بأبشع قوى العدوان والاستكبار في التاريخ، لإدارة جرائمها في المنطقة والعالم.
إنّ تحليل الوقائع ومحطّات التاريخ تجعلنا أمام حقائق قد تبدو شديدة الوقع على كثيرين، وأولى هذه الحقائق هي أنّ البحرين لم تنل – بالفعل – استقلالها بعد انسحاب البريطانيّين منها، لأنّها ظلّت تحت الاحتلال الخليفيّ، وقد نجح المحتلّون الخليفيّون في الإفشال المتكرّر لنضال الشعب من أجل إقامة دولة دستوريّة مستقّلة في قرارها الداخليّ والخارجيّ. وتولّد عن هذه الحقيقة أنّ الاحتلال الخليفيّ جذب ألوانًا صغيرة وكبيرة من الاحتلالات البغيضة، بما في ذلك احتلالهم تاريخ البحارنة وهويّتهم، واحتلال ثقافتهم وطقوسهم وشعائرهم، وصولًا إلى استقطاب الاحتلالات العسكريّة المباشرة، بما في ذلك إعادة البريطانيّين إلى البلاد مجدّدًا، من خلال القواعد العسكريّة، وتولّي القادة العسكريّين (البريطانيّين والأمريكيّين) كلّ شؤون الأمن والعسكر في البلاد، وتحديدهم الشؤون الاستراتيجيّة والعسكريّة للبحرين، بما في ذلك تعيين «أعدائها» ورسم سياسات الحرب والعداوة ضدّ الجوار. ومن البيّن أنّ ذلك يعني أنّ البحرين – عمليًّا – أصبحت مستعمرة كاملة الأوصاف، علنًا وفي وضح النهار.



















