كذبة الهجوم على مكّة المكرّمة: عقيدة دائمة في إثارة الفتن
توقّف كثير من المحلّلين عند الحملة المضلّلة الأخيرة التي قام بها آل سعود – والتحق بهم جموع وصفوف من داخل السعوديّة وخارجها – ضدّ حركة أنصار الله اليمنيّة، عبر تلفيق تهمة الهجوم على مكّة المكرّمة. ورغم أنّ النظام السعوديّ لديه سوابق عدّة في حملات التضليل، وإنشاء الجيوش الإلكترونيّة، فوجئ بعضهم من إصرارهم على الحملات المضللّة نفسها، والتي لم تحقّق فيما مضى أهدافها المرسومة على المستوى السياسيّ. لكنّ المسألة التي تحتاج إلى توقّف هنا هي أنّ آل سعود ليسوا معنيّين بتحقيق أهداف سياسيّة بالدرجة الأولى، لأنّهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن رسم السياسات الاستراتيجيّة ذات الصلة بالمشاريع التي تحقّق المصالح العامّة. إنّ آل سعود لم يخرجوا من دائرتهم الأولى التي يتقنون اللّعب فيها، وهي دائرة الشحن الطائفيّ، وتمزيق الأمّة، وابتكار الدعايات والخطابات المذهبيّة التي تشغل الأمّة عن الأعداء الحقيقيّين، والتصديّ للتحدّيات الحقيقيّة التي تواجهها، في مقابل إشغالها بخلافات القرون الأولى.
هل كان انقلاب محمد بن سلمان على «الوهابيّة» مؤثّرًا على تغيير هويّة الكيان السعوديّ؟ هل كان تسهيلًا للاستبداد وإرضاء للخارج أم نقلة في بناء الدولة؟
قد يجد بعضهم أنّ آل سعود أحدثوا تغييرًا في هويّتهم القائمة على زرع الفتن، وافتعال التمزيق، وشحن الخلافات المذهبيّة. ويستند هؤلاء إلى «انقلاب» محمّد بن سلمان غير المحدود على هويّة الكيان السعوديّ، وخصوصًا لجهة تضييق الخناق على الهويّة الوهابيّة، ولجم التشدّد الدينيّ، وإغلاق الفضاء العام الداخليّ أمام الشيوخ التقليديّين. ولكن ما قام به ابن سلمان كان مرتبطًا بمشروع الاستيلاء على السلطة، وتحقيق النفوذ الكامل على شؤون الكيان السعوديّ، وبما يعزّز قدرته –وفريقه – على تسهيل انخراط هذا الكيان في مشاريع الخارج وأجندة القوى الكبرى. ولذلك، لم تكن إزاحة «الوهابيّة» سوى تبييض للصورة الخارجيّة لآل سعود من جهة، ومن جهة أخرى توفير واقع جديد في السعوديّة يُسهم في تعميق السيطرة (المباشرة وغير المباشرة، الأمنيّة والثقافيّة) على الواقع العام للمواطنين، وعلى فئات الشباب وعموم الفاعلين والقوى. وبمعنى آخر، فإنّ السعوديّة الجديدة التي أتى بها ابن سلمان كانت لأجل تنويع أشكال الاستبداد، وتحويل مؤسّسات الإفساد وبرامجه إلى أدوات تخدم الاستبداد والسيطرة على المجتمع والنظام، وتفريغه من أيّ مصادر للمعارضة أو القوة المنافسة.
ما علاقة التاريخ الأسود لآل سعود في الشحن المذهبيّ بالبحرين وسوريا عام 2011 بأكذوبة الهجوم على مكّة المكرّمة؟
شكّل عام 2011 أوج الضخّ المذهبيّ والشحن الطائفيّ الذي استثمره آل سعود لتمرير السياسات الداخليّة والخارجيّة. وكانت البحرين حينها ساحة اختبار لهذا الهوس في إشعال الخلافات المذهبيّة، وتوظيفها في قمع الحركات المطلبيّة وتشويه خلفيّاتها الوطنيّة. وقد تكرّر هذا الأمر في الحدث السوريّ، إذ تشارك آل سعود وأنظمة الخليج في تأجيج الصراع المذهبيّ في المجتمع السوريّ، وعلى نحو غير مسبوق، وذلك بعد ربط هذا التأجيج بالجماعات المسلّحة. لم يكن الشحن المذهبيّ – آنذاك – مقتصرًا على الخطابات المذهبيّة وفتاوى التكفير، بل جرى تفعيل كلّ ذلك على الأرض من خلال المسلّحين التكفيريّين وتضخيم الشحن الطائفيّ وتفجيره بـ«المذابح»، والقتال على خلفيّة الهويّة المذهبيّة وشعارات حروب المذاهب القديمة. وإذا تذكّرنا الجموع التي التحقت بآل سعود وأنظمة الخليج ومشاركة «رجال دين» ومؤسّسات دينية، وغير ذلك، في هذا الجنون المذهبيّ الدمويّ، فليس عسيرًا أن ندرك عودة هذه الجموع مع أكذوبة الهجوم على مكّة المكرّمة، وما رافقها من أضاليل مذهبيّة.
لماذا لم يتخلّ آل سعود عن فتاوى التكفير بعد سقوط نظام الأسد؟ ولماذا يعجز ابن سلمان عن دفع سعوديّته الجديدة خارج «الجيوش التكفيريّة»؟
بعد سقوط نظام الأسد، وبدء مهمّة إعادة صياغة الجماعات التكفيريّة المسلّحة وتأهيلها – في الشكل – لتكون مناسبة لإدارة «الدولة» الجديدة في سوريا؛ لجأ آل سعود – وكذلك أنظمة الخليج التي موّلت القتل المذهبيّ والجماعات الطائفيّة المسلّحة في سوريا – إلى اختراع خطابات جديدة وتوزيعها في المشهد السوريّ، تتعلق بعناوين من قبيل الواقعيّة السياسيّة، وبناء الدولة، والتعدّدية، إضافة إلى السلام مع الكيان الصهيونيّ، والاقتراب إلى حدّ التطابق مع الأجندة الأمريكيّة.
في ظلّ ذلك، ظنّ بعضهم أنّ آل سعود سيذهبون إلى حدود متقدّمة في بناء «السعوديّة الجديدة»، ومن ذلك محو كلّ النوازع المذهبيّة، وعدم تكرارهم مجّددًا لأدوات الصراع الطائفيّ، بما في ذلك تجميدهم فتاوى التكفير، ولجم الجيوش الإلكترونيّة المتخصّصة في استخدام العقائد والمذاهب لإشعال الخلافات وإلهاء الناس، وبما يلبّى الأجندة السياسيّة. ولكن هذا الظنّ لم يكن في محلّة على الإطلاق.
هل التفسّخ الأخلاقيّ وسياسة الحفلات في السعوديّة هو الوجه الآخر لاستعمال الدين في أغراض السياسة؟
إنّ طبيعة الكيان السعوديّ تستند إلى هوس طائفيّ، ومهما غيّر ابن سلمان أو غيره من غلاف هذا الكيان الخارجيّ؛ فإنّ جوهره يبقى محفورًا في هويّته الممتدّة إلى يوم التأسيس المشؤوم في الجزيرة العربيّة. ولذلك، فإنّ عودة الأضاليل ذات الخلفيّة المذهبيّة، وفي سياق التصعيد بين آل سعود واليمن، لم يكن أمرًا مستغربًا على الإطلاق، وهو أيضًا ليس تناقضًا مع الثوب «الإفسادي» الجديد لآل سعود. ويمكن القول إنّ استعمال المذهب والدين في أغراض الصراع السياسيّ وتصفية الحسابات بين المحاور هو الوجه الآخر لتمادي آل سعود في إشاعة التفسّخ الأخلاقيّ والحفلات غير المنسجمة مع الضوابط الدينيّة والاجتماعيّة العامّة. ففي كلا الحالتين، يؤدّي الكيان السعوديّ دوره المناط به في التمزيق، والتقسيم، والتنويم، وبالتالي تحويل المجتمعات إلى فضاء مفتوح وبلا ضوابط، وليس له من هويّة متماسكة ترتبط بالإطار العام للأمّة، بل تكون مليئة بالثقوب والثغرات والنعرات، ومرتهنة بالمطلق لقوى الهيمنة، وبمراكز إنتاج المتعة وثقافة الاستهلاك، ويصبح الحكّام – بالتالي – بلا خطوط حمر في فعل ما يشاؤون، وإصدار ما يريدون من قرارات، ولو كان فيها تعارض مع قيم الدين، والمقدّسات، والعادات، ولو كانت نتيجتها تشابك الأيدي وتبادل القبلات مع المجرمين والفاسدين من الأمريكيّين والصهاينة.




















