أصدر الفقيه القائد آية الله الشيخ عيسى قاسم «حفظه الله» بيانًا بمناسبة ذكرى أربعين الإمام الحسين «ع»، هذا نصّه:
يوم أربعين الحسين عليه السلام مبدأ لا يموت، إمام لا يموت، ثورة لا تنطفئ، أسارى من ثكالى ويتامى آل محمد “صلى الله عليه وآله” لا تكسر حسب معدنهم الأصيل الكريم الصلب في الخير، وحسب تربيتهم إرادة مجيدة عاد ركبهم من الشام إلى كربلاء من ذل الأسر والشماتة والآلام والأحزان بقيادة الإمام زين العابدين بعد الأغلال والأصفاد والقيود، ومصارع الأحبة الكرام الأفذاذ بلا مدافع ولا ناصر ليخلّدوا الثورة، ويعطوها حقّها من لهيب القلوب، وعزم الثأر، والامتداد مع الأجيال، والصفة العالمية، والقدرة على الإنقاذ، وإنتاج الثوريّة المتنامية في قلوب الصالحين المؤمنين، والأحرار حتى اليوم الذي يمحق فيه الباطل ويسود الحق.
ثوريّة تتزايد وتتعاظم وتشتعل أكثر فأكثر من أول يوم وصل فيه ركب الأسارى الأمجاد المنتصرين أرض كربلاء وإلى اليوم وغدٍ حتى تجتاح الباطل على وجه الأرض وتهزم الشيطان وجنده وتطهر الأرض من رجسهم وظلمهم تطهيرا.
إنّها أربعينيّة ثوريّة حارقة للضلال، مظهرة للحقّ، خاب كلّ الأعداء عن تبريد نيرانها، وإطفاء شعلتها على مدى الزمن البعيد، وهي تزداد مع الأيام والسنين فاعلية وهدماً للباطل وبناءً رصيناً وإشادة لصرح الحق.
ثوريّة واعية رشيدة هادية مهديّة مستمرّة في إنسال أجيال كريمة إنسانيّة مؤمنة أكثر وعياً وإيماناً وهداية وشجاعة وخبرة وأسخى تضحية في سبيل الله حتّى الهزيمة الكبرى لقوى الشرّ والفساد والطغيان في الأرض.
الأربعينيّة مقدّر لثوريّتها قدراً لا يردّه رادّ أن تبعث بها الرسالة المحمّديّة الأصيلة المنقذة فتكون الحاكمة للمسيرة البشريّة برجالها الأشدّ وعياً وعلماً وصلاحاً، والأتقى والأنقى، والأصلب جلداً ومقاومة، والأكفأ قيادة وقتالاً على طريق تحقيق النصر، والآمال الإنسانيّة العريضة الكريمة، والغاية الكبرى في هذه الحياة وما بعدها.
إن لأربعينيّة الإمام الحسين من صادق إسلامها، وتوحيدها لله عز وجل ومدده وهداه، وانتصاره لمن انتصر لدينه لمهابة قاتلة في نفوس الطغاة من كافرين ومنافقين وجائرين تجعلهم في مواجهة دائمة شرسة باغية لحركة الوعي والإيمان واسترداد الحقوق، وردّ الأمور إلى نصابها الصحيح لا تستبعد أيّ وسيلة من وسائل المكر والقمع والظلم والرعب مما يمكن أن يحقق مآربها الحمقاء المهلكة المفسدة الخبيثة إلا أنّها لا ترجع من بعد ذلك ولصمود الإرادة الإيمانيّة وصلابة المقاومة من جند الله المخلصين الأشدّاء الطامعين في الشهادة إلا إلى خيبة أمل يائسة وفشل ذريع وارتباك وحدة وتردد في القرارات والمواقف.
وفعاليات ثورة الأربعين تحتضنها أرض العراق وكربلاء والنجف وهي أرض تغنى بالمؤمنين الأشدّاء الغيارى الأحرار الذين لا يبالون وقع الموت عليهم أم وقعوا عليه، وتتسابق إليها جموع المسلمين والأحرار من مختلف بقاع الأرض ومن مختلف المشارب انتصاراً للمشتركات الإسلاميّة العامة وإيماناً مطهّر وقداسة أهل بيت النبوة والرسالة الخاتمة عند العارفين بالإسلام، والمنشدّين للحريّة الراقية الكريمة البنّاءة المشرقة التي تشعّ بها شخصية الإمام الحسين عليه السلام لتعلن أنها مع الإمام الحسين لا مع يزيد الأمس ولا أيّ يزيد في العصر، ولا الغارق في استكباره من مثل ترامب ونتنياهو. إنّ الأربعينيّة اليوم منطلقها الأصيل وهو الإسلام الحق طريق واصل لتحرير العالم من كلّ المخلّفات الجاهليّة القديمة والحديثة وآثار الغطرسة الشيطانيّة والفرعونيّة والاستكبار والنفاق.
إنّها الطريق اللاحب ليوم الرحمة العالميّة وظهور عظمة الإسلام لكلّ النّاس والذي لا ختام للحياة على الأرض إلا بعد أن تعم هذه النعمة.
وثوريّة الأربعين ثوريّة دائمة لا مؤقتة ولامحدودة بمكان وزمان، إنّها الثوريّة التي تتمتع بها كلّ بيئة يذكر فيها الإمام الحسين عليه السلام، ينطق فيها منبره، يقام فيه موكبه، ترفع شعاراته، وكلّ مكان فيه ذلك يعيش معركة ضارية بين كلمة الحقّ وكلمة الباطل، كلمة الحق على لسان المؤمنين والذين يتحمّلون من أجلها أثقل المصاعب وأغلى الأثمان، وكلمة الباطل وأنشطته الباغية وعذاباته المتفننة مما ترتكبه أنظمة الحكم التي لا تراعي ديناً ولا ذمّة ولا عهداً ولا خلقاً ولا كرامة.
وسلاح أهل الحقّ التوكّل على الله والسعي المقدور الذي لا يخالف مرضاته، وسلاح أهل الباطل القوّة الماديّة الباطشة وأساليب التنكيل والتعذيب، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، وهو المستغاث ونعم المغيث.
زمن الأربعينيّة اليوم ليس زمن الإحياء المعتاد الذي عاشته القرون الماضية والزمن اليوم زمن إحياء لنفس الثورة وزمن تضحيات كربلائيّة كبرى وخوض معركة شرسة في وجه تمدد الظلم واشتداد حركة البغي والفساد والإبادة العامّة التي تهدد العالم كلّه، وانتقاض القيم وإخلال الموازين.
اليوم يوم بيعة كلّ المسلمين ممن يعتقدون بحقّ الحاكميّة لله على عباده ومن كلّ أحرار العالم لخط الإنقاذ العالميّ على يد قادته الحقيقيين الصدق وهو في الوقت نفسه يوم التنفيذ حتى يأتي نصر الله والفتح.
عيسى أحمد قاسم
22 صفر 1448ه
ـ 06 اغسطس 2026مـ





















