ينخرط النظام الخليفيّ في البحرين في أتون الصراعات الإقليميّة على نحو يثير أكثر من سؤال. في هذا المجال، لا يتعلّق الأمر فقط بالضرورات التي تُملي على الأنظمة الارتباط بالتحالفات أو الأجندة الخارجيّة، بل إنّ الموضوع المثير للانتباه هو طبيعة الأسباب التي تجعل نظامًا غير مستقرّ في الداخل، ويواجه تحدّيات مزدوجة على مستوى المشروعيّة التاريخيّة والقبول الشعبيّ، ويتجاهل أيّ مسعى لمعالجة هذا الخلل الداخليّ، بل ويتعمّد تعميقه عبر سياسة التصادم والمواجهة ضدّ المجتمع المحلّي، تجعله يندفع بعد كلّ ذلك – وبشراسةٍ ظاهرة – للانخراط في دوائر الصراع الخارجيّ، وبما يُحيل مجاله الإقليميّ شفّافا أمام الرياح العاتية، المنظورة وغير المنظورة. وإذا استذكرنا محدوديّة الموارد، وضعف المركز السياسيّ الإقليميّ، واتساع الثقوب الأمنيّة؛ فإنّ النظام الخليفيّ الذي تنطبق عليه كلّ تلك الأزمات والهنّات سيبدو نموذجيًّا في تحليل الجنون الذي يستولي عليه، ولكنّه يُسرع مثل الأعمى في الارتماء بين النيران المشتعلة!
لماذا يندفع آل خليفة في أتون الصراعات الإقليميّة رغم هشاشة كيانهم داخليًّا، والاحتمالات المفتوحة لتعرّضه لاهتزازات مزدوجة بسبب تورّطه في تحالفات معادية للأمّة؟
تتّضح أهميّة هذا السؤال بالنظر إلى طبيعة نظام آل خليفة الذي يعاني ضعفًا بنيويًّا في الداخل، إذ يمثّل نموذجًا لما يُسمّى «أنظمة الحراسة» أو الأنظمة الريعيّة الصغيرة، على شاكلة النظام الأردنيّ أيضًا. تطرح نظريّات علوم الجيوبوليتيك إجابة تقليديّة عن هذا السؤال، تتصل بما يُعرف بتحويل الأنظار نحو الخارج، أي أنّ النظام الخليفي الغارق في أزماته الداخليّة، والاحتجاج الشعبيّ غير القابل للتسوية؛ يلجأ إلى اختراع تهديدات خارجيّة والاندفاع نحوها، بما يُتيح له تشتيت الانتباه عن الداخل، وإجبار الجبهة الداخليّة على الانغماس في قضايا مصطنعة، تتعلّق بالأمن القوميّ أو الخطر الخارجيّ، وبالتالي تهيئة الطريق لشيطنة مضاعفة للحراك الشعبيّ ومطالبه المحقّة، وذلك باعتبارها مساسًا باستقرار الدولة ووصف منْ يقف وراء ذلك بالخيانة. وبحسب السلوك الرسميّ، فإنّ سياسات آل خليفة يمكن تفسيرها من هذا المنظور، خصوصًا مع سجلّهم الممنهج في صناعة «الخطر الإيرانيّ»، ومواجهة الوجود الشيعيّ الأصيل في البحرين، وربطه الأمرين بمبايعة مشروع الأمريكيّين والصهاينة في القضاء على جبهة المقاومة وبرنامجها التحررّي.
ما العلاقة بين عقدة الأمن وفقدان المشروعيّة الشعبيّة واندفاع آل خليفة في التحالفات الخارجيّة والاصطفاف مع قوى العدوان؟
يُمكن أن تكون نظريّة «تحويل الانتباه الداخليّ» مناسبة – في حدودٍ كبيرة – لفهم تورّط آل خليفة في مشاريع العدوان التي يقودها «ترامب ونتنياهو»، ولكن تبقى ثمّة فجوات وأزمات أخرى لا يُسعف هذه النظريّة كشفها، أو وضعها على السطح. ففي نهاية المطاف، من غير الممكن الغفلة عن أنّ سلطة آل خليفة في البحرين غير شرعيّة، لكونها امتدادًا لكيان احتلاليّ استيطانيّ، استعدى – منذ دخوله العُنفيّ البلاد عام ١٧٨٣م –الشعب الأصيل. وبسبب إحباطه كلّ مجهود شعبيّ محلّي لإقامة دولة حديثة؛ فقد عانى آل خليفة من هاجس الأمن والاستقرار، وتفاقم ذلك إلى حدّ الاستعانة بالمرتزقة والقوى الخارجيّة لقمع ما يعدّه تهديدًا في الداخل. لذلك، فإنّ جزءًا أساسيًّا من اندفاع آل خليفة نحو التحالفات الخارجيّة يتّصل بالبحث عن الرعاية الأمنيّة الخارجيّة، اعتقادًا منهم أنّ هذا الاصطفاف الإقليميّ هو بوليصة تأمين للبقاء. يمكن أن يكون هذا الجانب الأكثر قربًا لتفسير وجود القواعد الأجنبيّة في البحرين، ومشاركة الخليفيّين في التحالفات الأمنيّة وتوقيع اتفاقات التطبيع مع الصهاينة.
لماذا يحرق آل خليفة أوراقهم في الداخل والخارج، ويفضّلون الإبقاء فقط على ورقة الاستقواء بالأجنبيّ؟ وكيف سيكون الانحدار نحو المقتلة؟
إنّ أيّ خبير في الشأن الاستراتيجيّ يرجّح خيار وضع كلّ الاحتمالات على الطاولة، وأن يرسم لكلّ احتمال سيناريو وسياسة مناسبة. ولكن ما يقوم به الخليفيّون هو أشبه بالاستغراق في خيال سياسيّ أحادي، وعدم وضع الاعتبار لأيّ احتمالات أخرى، وهو غباء استراتيجيّ لا ترتكبه إلّا الأنظمة الطائشة التي فقدت عقلها واتّزانها. فآل خليفة مغيّبون في وهم كبير يتمثّل في اليقين المغشوش بالقضاء على إيران، وإفناء كلّ القوى والشخصيّات التي تحمل مشروع المقاومة. وتحت تأثير هذا الوهم؛ يحرقون كلّ الأوراق، ويُبقون على ورقة واحدة يظنّون أنّها طوق النجاة الوحيد، وغير قابلة للاهتراء، وهي ورقة «قوّة الخارج» (الإقليميّ والدوليّ).
ولأنّهم غارقون في هذا الحلم، ويستولي عليهم الشعور المراهق بحتميّة انتصار الأمريكيّين والصهاينة؛ فإنّهم لا يلقون بالًا للإصلاح الديمقراطيّ ومعالجة أزمات الداخل، بل يجدونها فرصة لتصفية «الحساب الكامل» مع الشعب والقيام بما يفوق ما قام به آباؤهم وأجدادهم المحتلّون، أي الإبادة الشاملة والتطهير المعلن. ولكن الواقع التاريخيّ، وتموّجات الواقع الجيوسياسيّ، ليس مسرحًا للأوهام وأحلام اليقظة. إنّ وقوع آل خليفة في هذا المنزلق، والاستغراق فيه، هو بذاته المقتلة التي ستدفع بهم، وبأسرع ممّا يتصوّر الجميع، نحو انحدارهم الأخير.