لم يتخلّص النظام في البحرين حتى الآن من دائرة الأوهام التي تحاصره منذ زمن، وهي دائرة تزداد مساحتها مع كلّ منعطفٍ يتورّط فيه بسياسته المعهودة، أي سياسة إنكار الواقع، واختلاق واقع متخيّل وتحويله إلى اعتقادٍ مفروض على نفسه وعلى الناس.
يمكن تفسير سلوك آل خليفة وطغاة الخليج عمومًا بالنظر إلى مجموع الأوهام التي تحتويها تلك الدائرة، وأوّلها: وهم الغلبة الدائمة بسلاح الاستبداد، والثاني: وهم أنّ الارتباط بقوى الخارج هو صمّام الأمان الدائم لبقاء أنظمتهم القمعيّة، والوهم الثالث يتعلّق بسوء تقدير الموقف تجاه صبر شعوب الخليج، وخاصّة شعب البحرين، وعدم فهم الأنظمة وقوى الخارج معًا حدود صمود الشعوب والخيارات الجديدة التي يمكن أن تلجأ إليها. في البحرين، يمكن إحالة الشعور المفرط بجنون العظمة الذي يستولي على «الطاغية حمد» إلى هذه الأوهام وتفريعاتها، ومنه كذلك يمكن تفسير كلّ الجرائم والقرارات القاتلة التي أقدم عليها داخليًّا وخارجيًّا.
كيف كان يتوهّم آل خليفة أبديّة الإمبراطوريّة البريطانيّة في مساعدتهم على مواجهة الاحتجاجات الشعبيّة؟ ولماذا عبّر الطاغية حمد عن خيبته من خروج الاستعمار البريطانيّ؟
راهن آل خليفة، على مدى عقود طويلة سابقة، على أنّ البريطانيين سيبقون الإمبراطوريّة العظمى التي تحمي وجودهم إلى الأبد في البحرين، وضمان استقرار حكمهم في وجه الاحتجاجات الشعبيّة. وقد أثبتت محطّات عدّة أنّ الاستعمار البريطانيّ –بالفعل – ظلّ يوفّر هذه الحماية لآل خليفة، ويخترع الوسيلة تلو الأخرى للإبقاء على استقرار حكمهم، وهو ما جعلهم – جيلًا بعد جيل – يحفظون للبريطانيّين هذا الدور، ويصرّون على عدم اعتبارهم احتلالًا أجنبيًّا، وعلى النحو الذي أفصح عنه الطاغية حمد جهارًا خلال حفل استقبال رسميّ بلندن في منتصف مايو 2013 حيث قال ما نصّه: «لطالما تساءل والدنا عن سبب اتخاذ بريطانيا قرار الانسحاب من منطقة الخليج، فلم يطلب أحد منهم الذهاب أو الخروج من البحرين»، ليلخّص ذلك طبيعة العلاقة التي ربطت الجانبين منذ البدايات. ولكن سرعان ما تداعت الإمبراطوريّة البريطانيّة، وخرجت من المنطقة وهي تجرّ أذيال الانكسار، وبصورة لم يكن ليصدّقها الأوّلون الذين عاشوا أيّام «الإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس»، والتي كانت القوّة العظمى الأولى على مدى أربعة قرون. ولعلّ خيبة الأمل التي عبّر عنها الطاغية في عبارته السابقة، وبلسان أجداده وآبائه، تكشف جانبًا من الصدمة التي استولت على القبائل والقوى المحليّة والإقليميّة التي كان ينعشها وهم القوّة الأبديّة للإمبراطوريّة، والتخادم معها مقابل دعم تسلّطها على الشعوب. ورغم الأدوات الجديدة التي استعملها البريطانيّون بعد الانسحاب العسكريّ من الخليج، واستمرار تواطؤهم مع الحكّام لإجهاض آمال الشعوب في بناء دولٍ حديثة كريمة؛ ظلّت الأزمات تتواصل في هذه المنطقة وتلاحق الجميع، ولم يهنأ الحكّام باستقرار أنظمتهم غير الشرعيّة.
لماذا يُعدّ الارتباط بالقوّة الأمريكيّة والصهيونيّة استمرارًا لوهم آل خليفة السابق مع البريطانيّين؟ ولماذا ستكون لحظة أفول الأمريكيّين أشدّ قسوة على طغاة الخليج والمنطقة؟
فيما يتعلّق بآل خليفة، وبقية حكّام الخليج، فإنّ الارتباط بالقوّة الأمريكيّة – والمحلّق الصهيونيّ التابع لها – يمثّل البديل الذي يعوّض خسارتهم القوّة البريطانيّة الاستعماريّة. ولكن يبقى الارتباط بالأمريكيّين والصهاينة استمرارًا للوهم السابق، لأنّ ما لحق بالبريطانيّين سيتكرّر – وهو ما يحصل اليوم – بالأمريكيّين وملحقاتهم في المنطقة، ليس فقط الملحق الصهيونيّ ولكن المشيخيّات أيضًا. وكما تحسّر الطاغية على خروج البريطانيّين من البلاد؛ فإنّه سيجد نفسه أيضًا في حسرةٍ أقسى وهو يعاين لحظة أفول الإمبراطوريّة الأمريكيّة، والتي ستكون أشدّ من التراجع البريطانيّ القديم، لأنّ تداعي الأمريكيّين يجري على وقع الضربات العسكريّة، وإيقاع هزائم جيوسياسيّة على تمدّدهم ومناطق نفوذهم، على النحو الذي تقوم به إيران وجبهة المقاومة ردّا على العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ، علمًا أنّ تواطؤ الحكّام في الخليج والمنطقة في هذا العدوان سيجعل المواجهة تأخذ شكلًا ومسارًا أكثر حسمًا، وبما يفرز نتائج تتجاوز نتائج الانسحاب البريطانيّ من الخليج عام 1971.
متى سيسقط وهم الأنظمة بأنّ الشعوب ستبقى صامتة أمام آثار المواجهة القائمة في الخليج والمنطقة؟ وكيف سيوقف الناس انهيار مجتمعات الخليج نتيجة سيطرة قيم الحلف الأمريكيّ- الصهيونيّ على الأنظمة؟
يؤكّد أغلب الخبراء أنّ المواجهة القائمة بين إيران وأمريكا ستكون لها آثارها العميقة والواسعة التي تتجاوز جغرافيا المواجهة التي تتحرّك فيها النيران المتبادلة. ولكنّ الكثيرين يهملون التمعّن في الآثار التي تتراكم بخصوص النسيج الداخليّ لمجتمعات الخليج، والإفرازات الخطرة التي تتفاقم بين هذه المجتمعات، وتجعلها في وضع غير مسبوق من الانهيارات القيميّة، والاختراق الثقافيّ، واستلاب الوعي العام لدى الجمهور والنخب على حدّ سواء، ما يضع هذه المجتمعات على كفّ عفريت من نيران الأحقاد المذهبيّة والكراهيات والفتن المتبادلة. وفي النتائج، فإنّ الانهيار الداخليّ في مجتمعات الخليج سيؤدّي إلى إضعاف منظومات الحكم، وستتمدّد بعدها أزمات المشروعيّة. في المقلب الآخر، وخلافًا لوهم أنظمة الخليج بأنّ الشعوب ستبقى صامتة وذليلة؛ فإنّ تلك الآثار ستُخلّف احتجاجات شعبيّة متصاعدة، لأنّ الشعوب ستجد نفسها في وضع لا يحتمل كتمان رفضها للوضع الكارثىّ القائم، خصوصًا عندما تزداد درجة التطابق بين أنظمة الخليج والأمريكيّين والصهاينة، ويكون هؤلاء جميعًا في منظومةٍ مشتركة من المصالح المعادية للأمّة وهويّتها ودينها، في مقابل جبهة المقاومة التي تعبّر عن قيم هذه الأمّة في الحريّة والتحرّر من هيمنة القوى الخارجية.














