فرض النظام الإماراتيّ حظرًا على إقامة شعائر إحياء عاشوراء، وأكّدت مصادر أنّ هذا الحظر شمل كلّ أشكال الإحياء بما في ذلك إقامة التجمّعات في المنازل، وشمل كذلك عموم المواطنين الإماراتيّين والمقيمين الشيعة في البلاد.
يأتي هذا التضييق المتصاعد على شيعة الخليج في سياق الحرب التي فُرضت على الجمهوريّة الإسلاميّة، وما آل إليه العدوان عليها من حسابات جديدة على المستوى الداخلي، وعلى مستوى الترتيبات الإقليميّة.
يقتضي ذلك الوقوف عند الخلفيّات الحقيقيّة لتوسّع دائرة الاضطهاد، بعد أن كان هذا الملفّ الأسود مركّزًا في البحرين، وبدرجة أخرى في السعوديّة وتحديدًا بالمنطقة الشرقيّة.
فقد كان لافتًا أن تدخل الكويت في هذا المربّع الأسود، نظرًا إلى ما كان يحظى به الشيعة من حضور واسع، وتمثيل شعبيّ وبرلمانيّ وازن، ما انعكس على مناخ الحريّات في إقامة الشعائر منذ عقود طويلة. ولكن في السنوات القليلة الماضية؛ انقلبت الأمور تدريجيًّا، وتوالت سياسات التضييق في ظلّ الحكم الجديد الذي يقوده وزير الداخليّة الكويتيّ، وقد وصل الأمر ذروته مع الحرب الأولى والثانية التي شنّها العدوان الصهيونيّ على لبنان، وفي سياق العدوان على غزّة، إذ تداعت أنظمة الخليج إلى وضع حزمة من القمع والتضييق لمواجهة الحراك الشعبيّ المتضامن مع المقاومة، لتأخذ هذه الحزمة في التوسّع بالتوازي مع تصاعد العدوان الصهيونيّ وحرب الإبادة على غزّة ولبنان، وصولًا إلى العدوان على الجمهوريّة نهاية فبراير الماضي.
النتيجة من ذلك، أنّ هناك حملة موجّهة ضدّ شيعة الخليج، لها عنوانان أساسيّان، الأوّل عنوان الانتقام الذي يأخذ شكل العقاب الجماعيّ، والآخر يتحرّك في إطار الخطّة العامّة التي أفرزتها التحالفات المتعدّدة الأطراف على قاعدة الحرب المفتوحة على كلّ ما له علاقة بالمقاومة في المنطقة، بما في ذلك قواعدها الشعبيّة وأسسها الثقافيّة والقيميّة ومرتكزاتها الروحيّة والدينيّة.
وفي العمق، لم يكن تركيز الاستهداف على الشيعة في الخليج نابعًا من خلفيّة مذهبيّة فحسب، ولكن لأنّ الموج الشيعيّ العام في المنطقة ينتمي إلى جبهة المقاومة، وتتركّز لديه التمثيلات القيميّة والرمزيّة التي تقوّي من هذه الجبهة، وتمنحها قوّتها الشعبيّة والدينيّة. ومن هذه الزاوية؛ يمكن تفسير هذه التشاركيّة في اضطهاد الشيعة من جانب أنظمة الخليج المطبّعة، وكذلك الأنظمة التي أخذت اندفاعة متقدّمة في مواجهة ساحات المقاومة، كما هو الحال مع الكويت التي لم تتوقّف عن تأجيج مواجهتها ضدّ «حزب الله» على مدى السنوات القليلة الماضية، وصولًا إلى تصنيفه على قائمة الإرهاب، ومن ثمّ شنّ حملات واسعة ضدّ المواطنين الكويتيّين بناء على مزاعم العلاقة أو الارتباط الروحيّ بالمقاومة في لبنان.
هل ستنجح الأنظمة في تحصيل نتائج من حرب التطهير على شيعة الخليج؟
تتطلّب الإجابة عن هذا السؤال تثبيت الخلاصة الآتية: إنّ الدافع المحوريّ وراء استهداف شيعة الخليج هو زيادة انخراط أنظمة الخليج في المشروع الأمريكيّ- الصهيونيّ، كما أنّ مؤشر اضطهاد الشيعة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الانخراط ومآلاته. على المستوى العمليّ، يمكن استنتاج درجات نجاح هذه الأنظمة في تحقيق أهدافها؛ بالنظر إلى النموذج الاضطهاديّ الجاري في البحرين. فهو نموذج معياريّ يمكن قياس مجرى الأحداث على ضوئه، بسبب أقدميّة هذا النموذج الذي بدأ منذ دخول آل خليفة للبحرين واحتلالها قبل أكثر من ٢٥٠ عامًا، وكذلك لأنّ المسار الاضطهادي في البحرين تجمّعت فيه أهمّ أنماط الاستهداف الممنهج ضدّ الشيعة وعقائدهم، وصولًا إلى تطابقه شبه التام مع النموذج الصهيونيّ في فلسطين المحتلة، أي استعمال أدوات الإبادة والتطهير والاستيطان والتهجير الجماعيّ.
فهل بلغ آل خليفة مرادهم في تحويل شيعة البحرين إلى أقليّة؟ وهل نجحوا في نزع أصولهم الدينيّة والثقافيّة وإجبارهم – عبر أدوات الإبادة الثقافيّة والماديّة – على التخلّي عن شعائرهم ومرجعياتهم الدينيّة، ودفهم نحو الانصهار النهائيّ في سلطة الاحتلال الخليفيّ، والذوبان داخل الرواية الخليفيّة؟
ومن المؤكّد أنّ هذا المشهد مرشّح في أن يأخذ توهّجًا أكثر خلال موسم عاشوراء هذا العام، وعلى خلاف كلّ القوانين الجائرة، وحرب التطهير، والاعتقالات التي طالت الخطباء والرواديد، والتضييق غير المحدود على شعائر الإحياء في العاصمة المنامة وبقيّة المناطق.
ماذا عن ارتباط الحرب على شيعة البحرين والخليج بساحة المواجهة الإقليميّة ضدّ جبهة المقاومة؟
ثمّة ارتباط مباشر بين الحرب على شيعة البحرين والخليج بالمخطّط المرسوم صهيونيًّا وأمريكيًّا ضدّ جبهة المقاومة، وتحديدًا قلعتها الشمّاء في الجمهوريّة الإسلاميّة. ومن الممكن الإشارة هنا إلى أنّ اللجوء إلى سياسة الانتقام هو من نتائج هذا المخطّط المأزوم، وقد أخذت هذه السياسة منحاها الأساسيّ في اضطهاد الشيعة، مع إمكان أن تفرز مناحي أخرى فيما بعد، وستتوجّه إليها الأنظمة الخليجيّة التابعة لذلك المخطط، كلّما وقعت في حبائل أعمالها الخيانيّة.
غير أنّ المعادلات الاستراتيجيّة التي فرضتها الجمهوريّة والمقاومة الباسلة في لبنان؛ ستلقي بظلالها على القواعد الجديدة التي أفرزها نجاح الجمهوريّة وجبهة المقاومة في هذه المعركة، بما في ذلك القواعد التي تتصلّ بالدفاع عن شعوب المقاومة والجبهات المناصرة للجمهوريّة، وعلى رأس ذلك شيعة البحرين خاصّة، بسبب استهدافهم الانتقاميّ المباشر نتيجة وقوفهم العلنيّ والقويّ مع الجمهوريّة وتصدّيها للعدوان.
وبناء على ذلك، فإنّ على أنظمة الخليج، وأوّلها النظام الخليفيّ، أن يضع في الحسبان أنّ كلّ ما يقوم به من اضطهاد وتطهير وحرب للشعائر في البحرين؛ سيكون على قائمة الحساب الطويل لجبهة المقاومة، ولن تكون حسابات اليوم والغد مثل حسابات الأمس.



















