هذا الخيار «العنتري» يستدعي ما قاله «وليّ العهد» سلمان قبل سنوات حينما أراد أن يمارس حربًا نفسيّة على المعارضة وشارعها العريض في البلاد، إذ صرّح في مارس 2021 بأنّ «البحرين اجتازت أحداث 2011 بالكامل، وأنّ هذه الأحداث وملفّاتها قد صُدّت وأصبحت وراءنا».
يعكس تصريح «وليّ العهد» سياسة الإنكار المزمنة التي تستولي على آل خليفة، خصوصًا بعد الصدمة التي تعرّضوا لها نتيجة ثورة 14 فبراير 2011؛ إذ أحدثت اهتزازًا غير مسبوق، وكادت أن تسجّل أوّل انتصار شعبيّ على نظام استبداديّ في الخليج. سرعان ما أدرك الأمريكيّون وآل سعود أنّ ما يجري في «دوّار اللؤلؤة» آنذاك يمكن أن يرسم ملامح جديدة في المنطقة، ولا سيّما في ظلّ ما تكشّف لاحقًا عن خرائط جديدة مرسومة بالفعل، تكون فيها «إسرائيل» المحور الجديد الذي يحرس المصالح الاستعماريّة، مقابل توفير الأمان الوظيفيّ لمشيخيّات الاستبداد في الخليج.
ما علاقة تصريح «وليّ العهد» في 2021 بحرب الطاغية على الشيعة؟
على مدى الأعوام التي تلت تصريح «وليّ العهد» لم يفلح نظامه في سحق المعارضة وإجبار المواطنين على الاستسلام. اقتضت المرحلة آنذاك استعمال الأدوات الناعمة، وصولًا إلى قانون العقوبات البديلة، وبرنامج السجون المفتوحة، مع موجة من محاولات الاحتواء المزدوج للحاضنة الشعبيّة؛ لكنّ ذلك لم يفرز على الأرض أيّ استسلام للمعارضة أو تجويف قاعدتها الشعبيّة.
على النقيض من ذلك؛ أفضى انخراط آل خليفة الفاضح في الحلف مع «إسرائيل» إلى صعود جديد من النقمة الشعبيّة في البحرين، عبّرت عنها الأشكال المتنوّعة من الاحتجاج الوطنيّ والثوريّ التي عمّت البلاد طيلة المدّة الماضية، وإلى ما قبل العدوان على الجمهوريّة الإسلاميّة.
ما عنوان إخفاق النظام في المرحلة السابقة؟
فشل النظام في تحصيل نتائج مرضيّة له بعد سنوات من إجراءات الاحتواء السياسيّ، والاضطهاد الدينّي المتدرّج، وسياسة إنكار الواقع. والشاهد على ذلك هو الإخفاق في اختراق الجدار الشعبيّ، وعدم القدرة على انتزاع ولاء كامل وصريح وشامل من المواطنين، وتحديدًا من علماء الدين والقوى الروحيّة والاجتماعيّة لشيعة البحرين.
استولد ذلك إحباطًا قاتلًا داخل النظام، غير أنّ السنوات بين العامين 2019 و2024 لم تكن كافية لمهندسي النظام لإنضاج سياسة جديدة للتعامل مع صمود المعارضة، قيادة وجمهورًا، خصوصًا مع المعاناة المستدامة جرّاء استعصاء السيطرة الكاملة على القادة الرهائن في السجن من جهة، والمؤسّسة الدينيّة من جهة أخرى.
فماذا تغيّر بعد الحرب في لبنان والعدوان على الجمهوريّة؟
بعد الحرب على لبنان، ولا سيّما بعد استهداف سيّد شهداء الأمّة «السيّد حسن نصر الله»– الذي ينظر آل خليفة إليه على أنّه عدوّ شخصيّ – استعاد النظام طاقة القمع والترهيب، وبوفرة من الغرور والإنكار في الوقت ذاته، ووجدت هذه الاستعادة انطلاقة أوسع بعد العدوان على الجمهوريّة، حين خُيّل لآل خليفة أنّ العدوان عليها هو فرصة تاريخيّة مناسبة للدخول في مواجهةٍ صريحة مع أسباب عجزهم الدائم، أي الرأسمال الدينيّ المتأصّل في جمهور المعارضة في البحرين، أو ما يمكن وصفه بالهويّة الأصيلة لشعب البحرين.
في هذا الاتجاه؛ كان إعلان الطاغية الصريح الدخول في حرب التطهير على شيعة البحرين، بما انطوت عليه من تجاوز للخطوط الحمر، أي تجريم العقائد واعتقال كبار العلماء وخطف الأوقاف الجعفريّة، وما يلي ذلك من محو الشعائر المتأصّلة في الوجدان والتاريخ الشيعيّ.
ولكن.. هل ستنجح سياسة التطهير بعد فشل سياسات الاحتواء والاختطاف؟
على مستوى الرهان، هناك أمر واحد يسيطر على عقل الطاغية وقبيلته اليوم: لا يوجد خيار آخر غير المضي حتى النهاية في تنفيذ التطهير الدينيّ والعرقيّ.
عبّر حمد عن ذلك في اجتماع الحكومة الخليفيّة يوم الإثنين 1 يونيو الجاري الذي انعقد في قصر الصافريّة، عندما اتهم شعب البحرين بالخيانة، وخيّره بين إعلان الاستسلام وتوقيع «وثيقة الولاء»، أو استمرار الحرب على شعائره وعلمائه. ولأنّ هذا التهديد لم يكن رسالة تنتظر جوابًا؛ جاء في اليوم التالي قرار منع زيارة العراق وإيران، ومن ثمّ اعتقال مجموعة أخرى من العلماء والرواديد، ليعطي حمد وزير داخليّته ضوءًا أخضر لاستكمال سياسة «قطع الرؤوس» التي أعلنها في وقت سابق، أي البدء في «سنّ الرماح» للانقضاض على موسم عاشوراء المقبل، وليس فقط احتواؤه أو السيطرة الأمنيّة عليه، كما جرى في الماضي.
إنّ «الرهان على الرهان» يعني الاندفاع العجول والمجنون في تنفيذ الخطّة، ولكن من غير أفق أو وثوق بإمكان تحقيق النتائج المرجوّة.
بمعنى آخر، عندما يعمل النظام بمقتضى «الرهان»، فإنّه يدخل «مواجهة» لا يملك فيها خيارات أخرى، عدا الاندفاع تحت تأثير الاضطرار لخوض المعركة الأخيرة. وهذا كافٍ للقول إنّ النظام يسير نحو حتفه المحتوم. فمنْ يُفعّل ورقته الأخيرة (الحرب على الشيعة) بدعم القواعد الأمريكيّة والحلف مع «إسرائيل» يعني أنّه يطبّق خطّة «تجنّب السقوط الوشيك».
ولكن المفارقة القاتلة، أنّ خيار النظام الأخير هو ذاته ما سيجرّه لارتكاب الخطأ الأخير/ القاتل. تتّضح أبعاد أخرى من الصورة مع مراقبة استراتيجيّة الجمهوريّة الإسلاميّة في المشهد الجاري في الخليج، وعلى النحو الدقيق الذي عبّر عنه الردّ الإيرانيّ السريع والحاسم على الهجمات الأمريكيّة فجر الخميس 3 يونيو، وطالت القواعد الأمريكيّة في البحرين والكويت. تجاوز بيان الحرس الثوريّ أيّ رهان وهميّ يلوذ به حكّام الخليج: «إنّه زمن الحسم وردّ الصاع صاعين».




















