كان بعضهم، قبل عقود سابقة، يشكّك في أيّ حديث عن تغيير ديموغرافيّ في البحرين والخليج. وفي السنوات الأخيرة، وبمعزل عن الأهداف أو الأجندة الخفيّة، أظهرت الوقائع والأرقام أنّ التركيبة السكانيّة للخليج أصبحت مقلوبة رأسًا على عقب، ما يؤكّد أطروحة «أنّ إغراق المجتمع بالأعداد الضخمة من الأجانب الخاضعين لضوابط السلطة كفيلٌ مع الوقت بإعادة بناء المجتمع». ويمكن أن تكون التصريحات الأخيرة للسفير الهندي في البحرين مؤشّرًا حديثًا على ذلك، إذ أكّد أنّ البحرين تحتضن من 300 إلى 350 ألف وافد هنديّ، وهو ما يقارب ربع إجمالي عدد السكّان إلى ثلثه، في بلاد صغيرة المساحة ومحدودة الموارد مقارنة بدول الجوار الخليجيّة.
كيف بدأت الملامح الحديثة لسياسات النظام في هندسة المجتمع المحلّي؟ وما الخطّة الجديدة التي كشفها تقرير «البندر» على صعيد إحداث الخلل الديموغرافيّ في البحرين؟
في خصوص البحرين، لم يعد الباحثون يتردّدون في الحديث عن سياساتٍ ممنهجة في إعادة هندسة المجتمع المحلّي، استنادًا إلى مشاريع رسميّة – معلنة وغير معلنة – تستهدف إحداث الخلل في التوازن الديموغرافيّ للبلاد، وعلى خلفيّات سياسيّة وطائفيّة على حدّ سواء. ولأجل التاريخ، فقد كان لقوى المعارضة في العام 2003 دور أساسيّ في كشف بعض أوراق هذه المشاريع، وتحديدًا ورقة التجنيس، وأصبح هذا الملف في حينه قضيّة رأي عام شغلت عموم المواطنين. لكنّ النظام – كعادته – أعاد تنظيم أوراقه، وأحدث ترتيبات موسّعة في مشروع التخريب السكانيّ للبلاد، وذلك بإدخال خطط جديدة تتعلق باختراق المجتمعات الأصليّة، وإحداث اهتزازات داخلها عبر صناعة المندسّين، وتأجيج الخلافات الداخليّة، وزراعة مجموعات موازية للتشويش ودسّ السموم. وقد فضح تقرير «البندر» في العام 2006 الخطوط العريضة لهذه الخطط التي أخذت مداها الأوسع في السنوات الأخيرة، وعلى كلّ المستويات.
في أيّ اتجاه استفاد النظام من الجاليات الأجنبيّة في البحرين؟ ولماذا انكشفت هذه الاستفادة أكثر بعد الحرب المفروضة على إيران؟
استفاد النظام من الجاليات الأجنبيّة (التي تتجاوز حاجز الـ50% من نسبة السكّان) في التعويض عن فقدانه العميق للشرعيّة الشعبيّة في الحكم، وقد كان لهذه الجاليات أدوار خطرة في أحداثٍ حسّاسة شهدتها البلاد، كما استعملها النظام في مواجهة الاحتجاجات الشعبيّة التي انفجرت في العام 2011 وما بعده. ولعلّ المثال النموذجيّ لذلك هو ما حصل بعد الحرب المفروضة على إيران، إذ وجّه النظام هذه الجاليات (إضافة إلى المجنّسين) للانخراط المنظّم في مسرحيّات الولاء وحملات التوقيع الجماعيّ التي جرت بصورة ممنهجة، وامتدّت في المنازل والأماكن العامّة والمجمّعات التجاريّة. ومع انخراط النظام في العدوان على إيران، واندفاعه المستميت في خدمة الأجندةِ الأمريكيّة- الصهيونيّة؛ وجد آل خليفة أنفسهم في لحظة انكشافٍ غير مسبوقة، بعد أن تبيّن بوضوح أنّهم يقفون في خطّ مناقض تمامًا للموقف الشعبيّ، وظهر الكيان الخليفيّ – وأكثر من أيّ وقت مضى – على أنّه بالفعل أجنبيّ عن هذه البلاد وشعبها، وأنّ شرايينه متصّلة بالكامل بالقوى والقواعد الأجنبيّة المهيمنة على البلاد. في ظلّ ذلك ألحّت على النظام الحاجةُ إلى خلق التأييد العام، فكانت ورقة الجاليات الأجنبيّة وجموع الوافدين.
ما الأفكار الأساسيّة التي ركّزت عليها الدراسات والأبحاث التي تناولت سياسات التغيير الديموغرافيّ في البحرين؟
برز العديد من الدراسات والأبحاث حول سياسات النظام في التغيير الديموغرافيّ في البحرين، وقد ركّز الباحث الأمريكيّ «جاستين جينلر» على استخدام النظام الهويّة الطائفيّة بغرض التحكّم في الخرائط السياسيّة والانتخابات وإدارة التوازن بين السنّة والشيعة، أمّا الباحثة الفرنسيّة «لورانس لوبير» فقد تعمّقت في السياسات السكانيّة والآليّات الاجتماعيّة والسياسيّة في خلق مواطنة جديدة في الخليج تقوم على التحكّم بالتوازن الديموغرافيّ والطائفيّ، وعلى المنوال نفسه كان كتاب «الخليج الطائفي» للباحث «توبي ماثيسن». وقد سبق ذلك ما قدّمه عالم الاجتماع البحرينيّ «عبد الهادي خلف» من أبحاث تكشف سياسة آل خليفة في الاختراق العاموديّ للمجتمع، وبناء مواطنة مفبركة تناسب هويّة احتلالهم البلاد.
وعلى صعيد متصل بالعمالة الوافدة، فقد اهتمّ الباحث البحرينيّ «عمر هشام الشهابي» بمفهوم «اقتصاد السخرة الحديث» أو نظام الكفالة، ليتحدّث عمّا وصفه بالمواطنة المبتورة، التي تفضي في المحصّلة إلى إنقاص الوزن الديموغرافيّ والسياسيّ للمواطنين الأصليّين، تحت ذريعة حاجة السوق إلى العمالة الرخيصة، فكان تدفّق الجاليات والعمالة الوافدة أداة لبناء هيكل اجتماعيّ واستهلاكيّ يتحكّم به النظام، بهدف تذويب الهويّة المحليّة، لصالح مجتمع هجين لا يملك تماسكًا قيميًّا، ويخضع كاملًا للتوجيه «الرسميّ» وأجندته المتّصلة بمشاريع الخارج.
لماذا تكتسب أطروحات «الدكتور سعيد الشهابي» أهميّتها في ملفّ التخريب السكّاني في البحرين؟
على المستوى السياسيّ المباشر، يمكن القول إنّ طروحات المعارض البارز «الدكتور سعيد الشهابي» كانت الأبرز على صعيد كشف تعويل آل خليفة على سياسة الهندسة الديموغرافيّة في سياق الاستخدام الأمنيّ والسياسيّ والطائفيّ، وأكد في وقت مبكّر (عام 2002) أنّ التجنيس السياسيّ وإغراق البلاد بالجاليات الأجنبية ينتظم في إطار تخريب التركيبة السكانيّة للبحرين، وتقويض مفهوم الشعب الأصيل سياسيًّا وعدديًّا. وأكّد الشهابي في كتابه «لكي لا ننتحر مرّتين»، أنّ الاعتماد على المرتزقة في خلق الولاء الوطنيّ يتوازى مع استهداف هويّة المواطنين الأصليّين، وضرب أسسها الدينيّة والتاريخيّة، أي على النحو الذي انكشف كاملًا في حرب التطهير ضدّ الشيعة التي أعلنها «الطاغية حمد» قبل أشهر قليلة.
التحليل السياسيّ (16): مشروع الهندسة السكانيّة في البحرين.. من الجاليات الأجنبيّة والتجنيس والمرتزقة إلى خطط اختراق الهويّة
file 000000007f3881f78fdab64f8639d608




















