كيف تحوّل ناكث العهود إلى هادم المساجد وهاتك الأعراض؟
خلال الأعوام 2004-2010 ستتكاثر في الاحتجاجات الشعبيّة الشعارات الثوريّة التي توصف الطاغية بعبارات إضافيّة مع سيرته الجديدة المليئة بالقتل والتعذيب والتجنيس ومحاربة العقائد، ومع ثورة 14 فبراير 2011 وما تلاها ستصل كلّ تلك الأوصاف إلى أعلى مستوياتها، وستبرز منها – على وجه الخصوص – الأوصاف التي تعبّر عن حربه المسعورة على وجود المواطنين الأصليّين، وهويّتهم الدينيّة، وتاريخهم الثقافيّ والاجتماعيّ. في هذه المرحلة، ستُضاف إلى الطاغية المعروف بناكث العهود، وقاتل الأنفس، وهاتك الأعراض، أوصافٌ أخرى من قبيل: هادم المساجد، وحارق القرآن، و«يزيد العصر»، نتيجة تعدّياته على العلماء، والأحكام الشرعيّة، وعلى إحياء عاشوراء وخروج مواكب الإمام الحسين (ع). وهو مسار ممنهج في حرب الهويّة والوجود، بلغ أوجه في الأشهر الأخيرة مع تبنّي الطاغية مشروع «التطهير» والإبادة، باستهداف كبار العلماء الشيعة، والمؤسّسات الدينيّة، ومنابر الخطابة، والأوقاف، وعموم النشاط الدينيّ والاجتماعيّ، مع اعتماد سياسة «قطع الرؤوس الكبيرة» بحسب تعبير وزير داخليّته «راشد الخليفة»، والذي أنيطت به مسؤوليّة تنفيذ خطط حرب الهويّة، من القمع والاعتقال، إلى إدارة برنامج التكفير والتهجير الجماعيّ. وقد فسّر راشد بوضوح المقصود من قطع الرؤوس، من خلال هجومه المباشر على المعتقدات (ولاية الفقيه، تقليد الفقهاء، الخمس..)، وتوسيع دائرة السيطرة على موسم عاشوراء بالتعويل على أداوت القمع والتهديدات الأمنيّة.
ماذا يعني أن يتحوّل الطاغية حمد إلى «يزيد العصر»؟
لم يحسب الطاغية حساباته بدقّة، وخُيّل إليه أن تحالفه مع الأمريكيّين والصهاينة يمكن أن يحقّق أمانيه في الإجهاز على شعب البحرين؛ إذ ظنّ أنّ الشعب قد ينتقل من ضفّةٍ إلى أخرى تحت نار السلاح والتهديد بالإبادة. والحقيقة، أنّ الطاغية اكتشف استحالة ذلك في سنوات سابقة، وأكثر من محطّة خاض فيها مواجهة مع الشعب وقياداته، لكنّه اختار أسلوب المراوغة بدلًا من الاعتراف بالواقع والتسليم به والتعامل معه كما هو، من دون تزوير أو التفاف. يمكن استخلاص هذا المشهد بالمرور على أوضاع البلاد بعد العام 2000 عندما تبيّن للطاغية أنّ شعب البحرين لا يمكن أن يساوم على موقفه الراسخ في رفض الكيان الصهيونيّ، والانتماء إلى جبهة المقاومة، وقد رأى أعلام حزب الله وهي ترفرف بين الجموع التي خرجت لتحيّة المقاومة في انتصار 2000 وانتصار 2006. كذلك، لم يكن لدى الطاغية أدنى شك في أنّ آية الله الشيخ عيسى قاسم هو مرجعيّة دينيّة وروحيّة كبرى تتجاوز حدود البحرين، كما لم يساوره شكّ في أنّ شعائر الإمام الحسين «ع» وإحياء عاشوراء هي روح أهل البحرين وهويّتهم. ولكنّ الطاغية تعامل مع هذه الحقائق على أنّها تحدّيات مصيريّة، وقرّر أن يخطّط لمواجهتها بوسائل القمع. وعلى هذا المنحنى، رمى ثقله في قطار التطبيع، وأفحش في تجريم التعاطف مع المقاومة، ودشّن حربه المفتوحة على الشعائر ومن دون هوادة. ومن منظور الشعب؛ فإنّ الطاغية اختار أن يكون على شاكلة «يزيد»، الطاغية الفاسد المجرم، الذي كان يعلم أنّ الإمام الحسين «ع» هو امتداد للرسول الأكرم «ص»، وتجسيد للدين الحقّ، ولكنّه ظنّ أن ارتكاب مذبحة كربلاء، والتلاعب بالحقائق والوقائع، وشراء الذمم والألسن؛ يمكن أن تغيّر مسار الأحداث!
ماذا جنى الطاغية حمد من تطبيق سياسة «يزيد» في البحرين؟
اعتاد الطاغية حمد خلال الأعوام السابقة أن يخرج في نهاية موسم عاشوراء بكلمةٍ مسجّلة يتحدّث فيها عن «نجاح» الموسم، ويوجّه كلمات الشكر إلى وزير الداخليّة على تنظيم الموسم. فهل سيخرج الطاغية هذه المرّة أيضًا ليتحدّث عن «نجاح الموسم»؟!
يُرجّح أنّ الطاغية سيفعلها دون تردّد أو خجل. فهو في الأساس يرى أنّ المخاطر المحدقة بكيانه غير الشرعيّ تتطلب ظهوره المتكرّر، وإرسال المزيد من التهديدات الجوفاء، مستعينًا في ذلك بتماديه في الالتحاق بالمحور الأمريكيّ- الصهيونيّ الفاشل.
وقد يتحدّث عن نجاحه الأمنيّ في تقييد الإحياء العاشورائيّ، وإخلاء المواكب والمآتم من خطباء ورواديد زُجّ بهم في السجون، ومنع البقيّة من المشاركة في الإحياء. كما يمكن أن يتباهى بالعساكر الذين لاحقوا المعزّين، ومنعهم من رفع الهتافات الحسينيّة، وأن يوجّه الشكر إلى راشد ومرتزقته لنزعهم السواد واللافتات الحسينيّة.
ولكن، ألم ينجح الطاغية في الحرب على الشعائر الحسينيّة؟
من انتصر في موسم عاشوراء هذا العام؟
لا يمكن إنكار أنّ الطاغية حمد نجح في نشر الإرهاب خلال موسم عاشوراء، وتسبّب في تخريب البرامج الحسينيّة، وتعطيل المجالس في المآتم، وإحداث التوتّر في خروج المواكب. ولكن هذا الأثر الأمنيّ لا يعني بلوغ الأهداف، وعلى رأسها: إخضاع الشعب وإذلاله، وإجباره على الاستسلام وتقديم فروض العبوديّة. والمشهد، من جانبٍ ما، شبيه بنتائج العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على الجمهوريّة الإسلاميّة وجبهة المقاومة في لبنان، فجمهور إيران والمقاومة لم يرفع الراية، وظلّ متمسّكًا بالقيادة والثقة الكاملة بها، وحافظ على حضوره الأبيّ في الميادين، وهو ما أفضى إلى إفشال أهداف العدوان، وإحداث تغيير غير مسبوق في موازين الصراع ضدّ قوى الإمبرياليّة. على المنوال نفسه، أفشل شعب البحرين أهداف حرب التطهير والإبادة، وأحدث صدمة أخرى في أروقة الطاغية وقصوره، وانتصر لعقيدته وشعائره بكلّ شموخ، وحدّد بوضوح بوصلة الولاء والبراءة في عاشوراء هذا العام، على النحو الذي تجلّى مع هتافات «هيهات منّا الذلّة» المدوّية، ورسالة الشعب المفتوحة إلى قائده الحسين «ع» بوجه الطاغية: «غصبًا على عداك نرفع رايتك»؛ وتلك هي القضيّة.



















