مقال: قراءة في الرسالة العاشورائية لرئيس مجلس شورى ائتلاف 14 فبراير
تكتسي الرسالة العاشورائية الصادرة عن رئيس مجلس شورى ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير البحريني، بمناسبة موسم عاشوراء 1448هـ، أهمية خاصة في توقيتها ومضمونها، إذ جاءت لتُقدّم قراءة معاصرة لواقعة الطف، رابطةً بين الأبعاد العقائدية والروحية لهذه الملحمة التاريخية وبين الواقع السياسي والإقليمي الراهن.
وقد انطلقت الرسالة من اعتبار عاشوراء يومًا ملحميًا يجسّد قمة الصراع بين الحق والباطل، حيث وقف الإمام الحسين عليه السلام وقفة إباء في وجه الظلم والانحراف، مقدمًا نفسه وأعز ما يملك دفاعًا عن دين جده محمد صلى الله عليه وآله، وذودًا عن قيم العدالة والحرية والكرامة.
غير أن اللافت في هذه الرسالة هو تجاوزها البعد التأبيني المحض، إلى استلهام عملي لهذه القيم في سياق التحديات التي تواجهها الأمة اليوم، ولا سيما ما يتعلق بالملف الإيراني ودور محور المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني.
وقد أولت الرسالة مكانة بارزة للجمهورية الإسلامية في إيران، معتبرة أن وقوفها إلى جانب فلسطين ولبنان جزء من واجبها الأخلاقي والديني في مواجهة الظلم، وهو ما يجسّد، وفق الرؤية الواردة في النص، شجاعة الموقف وصدق النية في الدفاع عن المظلومين، بما يحقق تجسيدًا حيًا لفكر الثورة الحسينية.
ولم تقف الرسالة عند هذا الحد، بل مضت إلى اعتبار ما تقوم به إيران من دفاع وردع وصدّ شجاع دفاعًا عن كرامة الأمة كلها، وليس عن طائفة دون أخرى، في إشارة واضحة إلى رفض التقسيم الطائفي للموقف من القضايا المصيرية، وإلى تأكيد وحدة الهدف في مواجهة المشروع الصهيوني الذي لا يفرق بين عربي وإسلامي.
وفي سياق متصل، حملت الرسالة دعوة صريحة للدول العربية والإسلامية إلى الوقوف مع إيران لتأديب الكيان المعتدي، وهو ما يعد تطورًا لافتًا في الخطاب السياسي للائتلاف، إذ يخرج عن السرديات المحلية إلى رؤية إقليمية شاملة، تستند إلى المبدأ الحسيني في محاربة الظلم مهما كبرت التضحيات.
وقد استندت الرسالة في ذلك إلى حديث الإمام الحسين عليه السلام: “هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك”، وإلى قوله: “لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برمًا”، مما يعكس موقفًا لا يقبل الحياد أو الصمت تجاه ما تراه الرسالة ظلمًا واقعًا على فلسطين ولبنان وإيران وسوريا.
كما أشارت الرسالة إلى أن إحياء عاشوراء ليس مساحة للبكاء والدمع فقط، بل هو وعي وموقف وارتباط بالحق، داعية إلى تحويل الحزن إلى التزام بالأخلاق الحسينية، والعيش بكرامة من دون استسلام أو ركون إلى ظالم.
وفي هذا البعد، تجاوزت الرسالة الطابع الشعائري إلى البناء الفكري والسياسي، مطالبةً بعدم التفرج على الظلم، ومحذرة من أن السكوت على استهداف المكونات والطوائف لا ينسجم مع قيم الدين ولا مع حرية التعبير المنصوص عليها في الدساتير، وقد ختمت الرسالة بالتأكيد على أن محاولات طمس الحق بالتهديد والتضييق مآلها إلى الفشل، مستشهدة بموقف السيدة زينب عليها السلام التي حولت الأسر إلى منبر، وأثبتت أن الكلمة قد تكون أقوى من السيف.
في المجمل، تقدم الرسالة العاشورائية رؤية متكاملة تستلهم من واقعة الطف دروسًا في الثبات على المبدأ، ونصرة المظلوم، ورفض الظلم بأشكاله كافة، مع إسقاط عملي على واقع الأمة اليوم، لا سيما في ما يتعلق بالدور الإيراني ومحور المقاومة، مما يجعلها وثيقة سياسية – دينية تعكس تحولًا نحو تبني مواقف إقليمية أكثر وضوحًا، وربطًا مباشرًا بين العقيدة والتحالف السياسي في مواجهة التحديات المشتركة.



















