الرسالةُ العاشورائيّةُ لرئيسِ مجلسِ شورى ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير بمناسبة موسمِ عاشوراء 1448هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ وسلّم وزدْ وباركْ على نبيّنا وشفيعِ ذنوبِنا محمّدٍ، وعلى آلِهِ الطيّبينَ الطاهرين.
السلامُ على الحُسين، وعلى عليّ بنِ الحسين، وعلى أولادِ الحسين وعلى أصحابِ الحسين، وسلّمِ اللهم على جميعِ الشهداءِ في سبيلكَ الذين بذلوا أرواحَهم ابتغاءَ مرضاتِك.
إنّ يومَ عاشوراءَ يومٌ ملحميٌّ تاريخيٌّ يجسّدُ قمّةَ الصراع بين الحقّ والباطل، حيث وقف الإمامُ الحسينُ «عليه السلام» وقفةَ إباءٍ في وجهِ الظّلمِ والانحرافِ، مقدّمًا نفسه وأعزّ ما يملكُ دفاعًا عن دينِ جدّهِ النبيِّ محمّدٍ «صلّى الله عليه وآله وسلّم»، وذودًا عن قيمِ العدالةِ والحريّةِ والكرامة.
واقعةُ عاشوراء رسالةٌ عالميّةٌ تدعو إلى الإصلاحِ «خرجْتُ لطلبِ الإصلاح في أمّة جدّي محمّد»، ترفضُ الظلمَ والذلَّ والاستسلامَ «هيهاتَ منّا الذلّة، يأبى اللهُ لنا ذلك»، رسالةٌ تؤكّدُ الثباتَ على مبدأِ الحقِّ مهما كان الثمنُ والتضحياتُ «لا أرى الموتَ إلّا سعادة والحياةَ مع الظالمين إلاّ بَرَمًا».
ومن هذا المنطلقِ نستلهمُ من عاشوراءَ رسائلَ توجّهُ حياةَ الإنسانِ العمليّةَ والدينيّةَ:
الرسالةُ الأولى: أهلُ البيتِ «عليهم السلام» لم يسمحوا بأن تُذكَرَ عاشوراءُ كحادثةٍ مؤقّتةٍ ثمّ تُنسى، بل شدّدوا على إحيائها جيلًا بعد جيل، فقد رُوي عن الإمامِ جعفر الصادق «عليه السلام»: «أحيوا أمرنا، رحمَ اللهُ من أحيا أمرنا»، وإحياءُ أمرِ أهلِ البيت «عليهم السلام» يكونُ بذكرِ مآثرِهِم واستذكارِ مناسباتِهِم والتي من أهمِّها عاشوراء، فعاشوراء ليست مساحةً للبكاء والدمع فقط، وإنّما هي وعيٌ وموقفٌ وارتباطٌ بالحقّ. وإحياءُ عاشوراء إحياءٌ لقيم الدين، وقيمِ الإمامِ الحسين «عليه السلام»، وإحياءٌ للعدلِ والكرامةِ والثباتِ على الدين. فلنحيِ شعائرَ عاشوراء بإخلاصٍ واحترامٍ ووعيٍ وحكمةٍ وثبات، ليرى العالمُ النموذجَ الحسينيَّ في شوارعِ البحرين وأزقِّتها ومنازلِنا، ولنجعلْ من أيّام شهر محرّم محطّةَ ارتباطٍ بدينِنا وهويّتنا وقيمنا.
الرسالةُ الثانيةُ: الإمامُ الحسينُ «عليه السلام» للجميعِ، لا يخصُّ طائفةً دون أخرى، فهو سبطُ رسولِ اللهِ «صلّى الله عليه وآله»، وقد وردتْ نصوصٌ في مناقبِهِ لدى الطائفتينِ، مثل الحديث المعروف: «حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينًا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط».
خرجَ «عليه السلام» ليقولَ للأمّةِ: لا حياةَ مع الظلمِ والظالمينَ «وما الحياة مع الظالمين إلّا برمًا»، ولا كرامةَ مع الباطل. فالوقوفُ مع حقّ إحياءِ الشعائرِ الحسينيّةِ هو موقفٌ مع العدالةِ والحريّةِ الدينيّةِ واحترامِ المعتقدات، فالسكوتُ على ما تتعرّضُ له الطائفةُ الشيعيّةُ لا ينسجمُ مع قيمِ الدينِ الذي جاء به النبيُّ «صلّى الله عليه وآله»، وسار على نهجِهِ الإمامُ الحسين «عليه السلام»، ولا ينسجمُ مع حريّةِ التعبيرِ المنصوصِ عليها في الدساتير الموضوعة. وإن كنتَ لا تستطيعُ الوقوفَ مع الحقِّ والدفاعَ عن المظلومين خوفًا أو طمعًا في منصب، فلا أقلّ لا تقف مع الباطلِ حرصًا على الوحدة الوطنيّة، وعلى ألّا تكونَ سببًا في الانقسامِ المجتمعيّ. كما ندعو الإخوةَ جميعًا إلى الابتعادِ عن التخوينِ والتسقيطِ بأيّ صيغةٍ كانت وبأيّ أسلوبٍ كان، فإنّ ذلك ممّا يضرُّ بالوطنِ والمواطنِ جميعًا.
الرسالة الثالثة: موقفُ الحسينِ «عليه السلام» لم يكنْ محايدًا، بل كان منحازًا صراحةً للحقِّ في وجهِ الباطل. فلا تكنْ- أخي وابني الشيعيّ- من المتفرّجينَ على الظلمِ، ولا تصمُتْ -أخي وعزيزي السنّي- على استهدافِ مكوّنٍ أصيلٍ يؤمنُ بخطِّ علمائِهِ وولايةِ الفقيهِ الثابتةِ عندَه بالنقلِ والعقلِ، أو يعبّرُ عن رؤيتِهِ من خلال شعاراتِهِ القرآنيّةِ والنبويّة. بل عليكَ نصرةُ المظلومِ بما تستطيعُ، بكلمةِ حقّ أو موقفٍ شجاعٍ أو نصيحةٍ صادقة. تلك هي مبادئُ الإمامِ الحسين «عليه السلام»، وهي الثورةُ الحسينيّةُ التي علّمتنا أنّ الحقَّ يجبُ أن يُدافَعَ عنه مهما كانت التضحيات، من دونِ النظر إلى الطائفةِ أو اللغةِ أو العرق. لذا نرى وقوفَ الجمهوريّةِ الإسلاميّةِ في إيران إلى جانبِ فلسطين جزءًا من واجبِها الأخلاقيّ والدينيّ في مواجهةِ الظلم، واليمنُ البعيدُ يقدّمُ الدعمَ لإخوتنا في فلسطين، وحزبُ الله في لبنان قدّم أغلى ما عنده من أجل نصرةِ قضيّةِ فلسطين وشعبِها المظلوم. وفي كلّ هذا تُجسّدُ شجاعةُ الموقفِ وصدقُ النيّة في الدفاع عن المظلومينَ تجسيدًا حيًّا لفكرِ الثورةِ الحسينيّة.
الرسالةُ الرابعةُ: البكاءُ على الإمامِ الحسين «عليه السلام» نعمةٌ عظيمةٌ، وللباكي عليه من الأجرِ والثوابِ العظيم، حتى أنّ الرسولَ الأعظمَ «صلّى الله عليه وآله» وضعَ الترابَ على رأسِهِ ولحيتِهِ حزنًا على الحسين «عليه السلام». رُوي عن الإمام جعفر الصادق «عليه السلام» أنّه قال: «كلُّ الجزعِ والبكاءِ مكروهٌ، سوى الجزعِ والبكاءِ على الحسين (عليه السلام)». فالبكاءُ أجرٌ ونعمةٌ ووسيلةٌ لتغيير الإنسان. فالدمعةُ التي لا تتركُ أثرًا في السلوك، وإن حصل بها الأجرُ والثوابُ، تبقى ناقصةَ المفعول. فليتحوّلْ حزنُنا إلى التزامٍ بالأخلاق الحسينيّة، لنعيشَ بكرامة من دونِ استسلامٍ أو ركونٍ إلى ظالم.
الرسالةُ الخامسةُ: شاءَ اللهُ أن تكونَ النساءُ في ركب أبي عبد الله الحسين «عليه السلام»، ويتحمّلنَ العناء، فخرجنَ معه «عليه السلام» وصنعنَ التاريخ، لأنّهنّ اخترنَ إرادةَ الله ومشيئَتَه. خرجتِ المرأةُ مع الإمام الحسين «عليه السلام» لا لأنّها جنسٌ ضعيفٌ وتحتاجُ إلى حماية، بل لأنّها قويّةٌ وتعرفُ أنّ الحقّ يحتاجُ إلى شهود، ويحتاجُ إلى من يتصدّى لنقلِ الأحداثِ والحقائق، كي لا يغيبَ الواقع ويُمحى من التاريخ. وعندما جاء يومُ الفقدِ لم تنكسرِ المرأة، بل وقفتْ في وجهِ المأساةِ بقلبٍ عامرٍ بالإيمان، وأثبتتْ أنّها رمزٌ للصبر والعطاء. وفي مقدّمةِ هذا الطريقِ وقفتِ السيّدةُ زينبُ «عليها السلام» تفضحُ الظلمَ وتحوّلُ الأسرَ إلى منبرٍ، وتثبتُ أنّ الكلمةَ قد تكونُ أقوى من السيف: «كِدْ كيدَك، واسْعَ سعيك، وانْصِبْ جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وهل رأيك إلا فَنَدٌ، وأيامك إلا عَدَدٌ، وجمعك إلا بَدَدٌ، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين». كلماتٌ تؤكّدُ أنّ الحقَّ يبقى، وأنّ محاولاتِ طمسِهِ بالتهديد والتضييقِ مآلُها إلى الفشل.
الرسالةُ السادسةُ: الاعتقالاتُ والتضييقُ وزجُّ علماءِ الطائفةِ والناشطينَ في السجونِ، ومنعُ السفرِ عن المواطنينَ الأُصلاءِ والاستقواءُ عليهم، لا تمثّلُ حلًّا حقيقيًّا للأزمات، بل تزيدُ من حالةِ الاحتقانِ والانقسامِ. إنّ الطريقَ الأمثلَ يكمنُ في احترامِ حقوقِ المواطنينِ، والاستماعِ إلى مطالبهِمِ الحقّةِ وتطلّعاتِهِم المشروعةِ في تقريرِ المصير، والتعاملِ بواقعيّةٍ مع الظروفِ الإقليميّةِ والتحدّياتِ القائمةِ، وإنَّ عدمِ الاعترافِ بالحقائقِ كما هي، بعيدًا عن أساليبِ القمعِ والتنكيل، لن يحقّقَ استقرارًا، ولن يؤسّسَ للمستقبلِ الواعدِ الذي ينشدُهُ جميعُ أبناءِ شعب البحرين.
الرسالةُ السابعةُ: إنّ الكيانَ الصهيونيَّ غدّةٌ سرطانيّةٌ زُرِعتْ عنوةً في جسدِ الأمّةِ، يعتدي على لبنانَ وفلسطينَ وإيرانَ وسوريا، ولا يفرّقُ بين عربيٍّ وإسلاميٍّ، وما تقومُ بهِ إيرانُ الإسلاميّةُ من دفاعٍ وردعٍ وصدٍّ شجاعٍ هو دفاعٌ عن كرامةِ الأمّةِ كلِّها، وليسَ عن طائفةٍ دون أخرى. لذا ننادي الدولَ العربيّةَ والإسلاميّةَ: حان الوقتُ لتقفوا مع إيرانَ لتأديبِ هذا الكيانِ المُعتدي، لأنّ الصمتَ عليه يشجّعُ على المزيدِ من الظلم، فالثورةُ الحسينيّةُ علّمتنا أنّ الوقوفَ مع المظلوم واجبٌ، وأنّ محاربةَ الظالمِ فريضةٌ مهما كبرتِ التضحيات.
اللهم ارزقنا شَفاعَةَ الحُسَيْنِ يَوْمَ الوُرُودِ وَثَبِّتْ لنا قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الحُسَيْنِ الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلامُ.
رئيسُ مجلسِ شورى ائتلافِ شبابِ ثورةِ 14 فبراير
الإثنين 15 يونيو/ حزيران 2026م



















