يمكن القول إنّ تحرير لبنان على يد المقاومة الإسلاميّة عام 2000م شكّل بداية جديدة في إدارة حرب الدعاية ضدّ الأمّة ومقاومتها الشريفة. قبل ذلك، عمدت الأجهزة المعنيّة بحرب الدعاية – وخاصّة في الولايات المتحدة والكيان الصهيونيّ – إلى نحت صياغات ومفاهيم مضلّلة، بغرض تشويه صورة القوى التحرّرية في الأمّة، ولا سيّما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وبعد أن أخذت المقاومة في فلسطين ولبنان زخمها الواسع بين شعوب الأمّة وأحرار العالم.
ولكن كيف فشلت هذه الدعاية في تحقيق أغراضها آنذاك ولماذا؟
يمكن الإجابة عن هذا السؤال بطرح سؤال آخر: لماذا انخرط العرب من دول عدّة، بينها البحرين والكويت مثلُا، في صفوف المقاومة الفلسطينيّة خلال العقود الماضية، ولماذا اختفى هذا المشهد لاحقًا، وصولًا إلى ما نشهده اليوم من تجريم المقاومة نفسها، ومحاربتها بكلّ وضوح؟ في ذلك الزمن، كان الفضاء العام للشعوب وللدول منسجمًا – بدرجة عالية – مع منهج المقاومة، وكان نشاط أجهزة الدعاية الأمريكيّة والصهيونيّة محدودًا ومكشوفًا، فضلًا عن أنّ هذا النشاط لم يُؤت أكله في حينه، أو لم يفرز الجيل الجديد الذي يُبنى عليه فيما بعد. وعلى هذا النحو، كانت المقاومة تمضي في عنفوان متزايد، وتأخذ مكانتها بين الشعوب، ما ألزم حكومات الدول بالنأي وقتها عن الدخول في عداء سافر ضدّها، خصوصًا أنّ أيّ عداء أو ترصّد ضدّها سيُفسّر بين الشعوب على أنّه اصطفاف مع الكيان الصهيونيّ، الذي ظلّ «العدوّ الأوّل» للأمّة.
يمكن الإجابة عن هذا السؤال بطرح سؤال آخر: لماذا انخرط العرب من دول عدّة، بينها البحرين والكويت مثلُا، في صفوف المقاومة الفلسطينيّة خلال العقود الماضية، ولماذا اختفى هذا المشهد لاحقًا، وصولًا إلى ما نشهده اليوم من تجريم المقاومة نفسها، ومحاربتها بكلّ وضوح؟ في ذلك الزمن، كان الفضاء العام للشعوب وللدول منسجمًا – بدرجة عالية – مع منهج المقاومة، وكان نشاط أجهزة الدعاية الأمريكيّة والصهيونيّة محدودًا ومكشوفًا، فضلًا عن أنّ هذا النشاط لم يُؤت أكله في حينه، أو لم يفرز الجيل الجديد الذي يُبنى عليه فيما بعد. وعلى هذا النحو، كانت المقاومة تمضي في عنفوان متزايد، وتأخذ مكانتها بين الشعوب، ما ألزم حكومات الدول بالنأي وقتها عن الدخول في عداء سافر ضدّها، خصوصًا أنّ أيّ عداء أو ترصّد ضدّها سيُفسّر بين الشعوب على أنّه اصطفاف مع الكيان الصهيونيّ، الذي ظلّ «العدوّ الأوّل» للأمّة.
فكيف جرى العمل على الفصل الجديد من الدعاية والانتقال التدريجيّ إلى صفّ «إسرائيل»؟
كان تحرير جنوب لبنان عام 2000 على يد المقاومة الإسلاميّة حدثًا مهمًّا على هذا الصعيد. حتى ذلك الوقت، حصدت الدعاية الأمريكيّة والصهيونيّة جزءًا من أهدافها على الصعد الآتية: إحداث خروقات في مستوى حضور فكر المقاومة بين الشعوب، بفعل الإدخال التدريجيّ لسياسة العلاقة مع الكيان المحتلّ، وتدريب السماع العام على اعتياد كلمات من قبيل: السلام مع «إسرائيل»، ومقولة التفاوض المباشر، وإمكان عقد اتفاقات صلح مع الكيان ضمن حدود ما بعد 76. تمدّد هذا التدجين مع بدء ضحّ الدعاية التي تقلّل من أثر المقاومة وجدواها، أو تضخّم من التبعات التي تتسبّب بها، باستعمال مقولة: منح «إسرائيل» الذرائع للقتل والتدمير واحتلال المزيد من الأراضي. حتى العام 2006 ظلّت هذه الدعاية تتحرّك في حدود مرسومة لها، ولكن مع تأثيرات متدرّجة في اتجاهين: تحجيم التأييد الشعبيّ للمقاومة من جهة، وخروج الحكومات العربيّة من دائرة السياسات الثابتة ضدّ «إسرائيل»، وتعويمها تحت ستار «الصلح» و«السلم» و«التفاوض».
بعد حرب 2006 انكسرت أيضًا موجة الدعاية تلك، خاصّة بعد أن تجدّد تأييد الشعوب للمقاومة، وارتفعت مرّة أخرى صور سيّد شهداء الأمّة في شوارع العواصم العربيّة مع خروج الناس المؤيّدة للمقاومة وانتصارها بعد حرب الثلاثة والثلاثين يومًا. فيما بعد، ومع انخراط الكيان الصهيونيّ في حصد دروس تلك الحرب، وبصحبة تقرير «فينوغراد» توسّع الجهد لتطوير حرب الدعاية والتضليل، مع استثمار أقصى لنتائج حروب الدعاية السابقة.
كان تحرير جنوب لبنان عام 2000 على يد المقاومة الإسلاميّة حدثًا مهمًّا على هذا الصعيد. حتى ذلك الوقت، حصدت الدعاية الأمريكيّة والصهيونيّة جزءًا من أهدافها على الصعد الآتية: إحداث خروقات في مستوى حضور فكر المقاومة بين الشعوب، بفعل الإدخال التدريجيّ لسياسة العلاقة مع الكيان المحتلّ، وتدريب السماع العام على اعتياد كلمات من قبيل: السلام مع «إسرائيل»، ومقولة التفاوض المباشر، وإمكان عقد اتفاقات صلح مع الكيان ضمن حدود ما بعد 76. تمدّد هذا التدجين مع بدء ضحّ الدعاية التي تقلّل من أثر المقاومة وجدواها، أو تضخّم من التبعات التي تتسبّب بها، باستعمال مقولة: منح «إسرائيل» الذرائع للقتل والتدمير واحتلال المزيد من الأراضي. حتى العام 2006 ظلّت هذه الدعاية تتحرّك في حدود مرسومة لها، ولكن مع تأثيرات متدرّجة في اتجاهين: تحجيم التأييد الشعبيّ للمقاومة من جهة، وخروج الحكومات العربيّة من دائرة السياسات الثابتة ضدّ «إسرائيل»، وتعويمها تحت ستار «الصلح» و«السلم» و«التفاوض».
بعد حرب 2006 انكسرت أيضًا موجة الدعاية تلك، خاصّة بعد أن تجدّد تأييد الشعوب للمقاومة، وارتفعت مرّة أخرى صور سيّد شهداء الأمّة في شوارع العواصم العربيّة مع خروج الناس المؤيّدة للمقاومة وانتصارها بعد حرب الثلاثة والثلاثين يومًا. فيما بعد، ومع انخراط الكيان الصهيونيّ في حصد دروس تلك الحرب، وبصحبة تقرير «فينوغراد» توسّع الجهد لتطوير حرب الدعاية والتضليل، مع استثمار أقصى لنتائج حروب الدعاية السابقة.
ما العامل الجديد في حرب الدعاية و«شيطنة إيران والمقاومة» بعد 2011؟
خلص الأمريكيّون و«الإسرائيليّون» إلى ضرورة خلق طوق ضدّ المقاومة من داخل الشعوب، وأن تتبنّى الحكومات العربيّة نهجًا واضحًا في العداء للمقاومة. والقاعدة التي انطُلق منها هي توسيع نطاق «الصلح» و«السلام» مع الكيان المحتلّ، ووفق سياسة التطبيع المتصاعد خطوة خطوة، وصولًا إلى توقيع «الاتفاقات الإبراهيميّة (2020)»، وكان التأجيج الطائفيّ هو السلام الاستراتيجيّ في الدعاية الموجّهة لضخّ العداء ضدّ إيران، وشيطنة محور المقاومة، وعبر ماكينة إعلاميّة واسعة جنّدت مثقّفين وإعلاميّين عرب لبناء رواية «عربيّة» تقول إنّ محور المقاومة ليس سوى مشروع إيران التوسّعي، وأنّها العدوّ الحقيقيّ للمسلمين. نضج ذلك مباشرة مع الحرب على سوريا، والإمعان الممنهج في خلط الأوراق، وتشويه الحقائق، وتغيير الثوابت، مع التعويل على جيل جديد مشحون باللهب الطائفيّ، ومحمّل بأمراض الاستبداد الداخليّ، وأزمات المعيشة من جهة، والهزيمة النفسيّة والحضاريّة أمام حضارة التوحّش والصعود الإمبرياليّ.
خلص الأمريكيّون و«الإسرائيليّون» إلى ضرورة خلق طوق ضدّ المقاومة من داخل الشعوب، وأن تتبنّى الحكومات العربيّة نهجًا واضحًا في العداء للمقاومة. والقاعدة التي انطُلق منها هي توسيع نطاق «الصلح» و«السلام» مع الكيان المحتلّ، ووفق سياسة التطبيع المتصاعد خطوة خطوة، وصولًا إلى توقيع «الاتفاقات الإبراهيميّة (2020)»، وكان التأجيج الطائفيّ هو السلام الاستراتيجيّ في الدعاية الموجّهة لضخّ العداء ضدّ إيران، وشيطنة محور المقاومة، وعبر ماكينة إعلاميّة واسعة جنّدت مثقّفين وإعلاميّين عرب لبناء رواية «عربيّة» تقول إنّ محور المقاومة ليس سوى مشروع إيران التوسّعي، وأنّها العدوّ الحقيقيّ للمسلمين. نضج ذلك مباشرة مع الحرب على سوريا، والإمعان الممنهج في خلط الأوراق، وتشويه الحقائق، وتغيير الثوابت، مع التعويل على جيل جديد مشحون باللهب الطائفيّ، ومحمّل بأمراض الاستبداد الداخليّ، وأزمات المعيشة من جهة، والهزيمة النفسيّة والحضاريّة أمام حضارة التوحّش والصعود الإمبرياليّ.
ماذا عن البحرين.. ومجرمو حرب الدعاية ضدّ الشيعة؟
لا يمكن فصل حرب الدعاية التي تقودها «إسرائيل» والولايات المتحدة عمّا يجري في البحرين. ففي النهاية، أفرز الجهد الصهيونيّ- الأمريكيّ الواقع النهائيّ الذي يقوده الطاغية حمد في البلاد، والذي يُراد له شيطنة المقاومة، وجعل إيران «العدو الأوّل»، واعتبارها «أخطر من إسرائيل وأكثر إجراما»، وهي عناوين انتقلت من أوساط المتصهينين العرب إلى الإعلام في البحرين والخليج عمومًا.
لا يمكن فصل حرب الدعاية التي تقودها «إسرائيل» والولايات المتحدة عمّا يجري في البحرين. ففي النهاية، أفرز الجهد الصهيونيّ- الأمريكيّ الواقع النهائيّ الذي يقوده الطاغية حمد في البلاد، والذي يُراد له شيطنة المقاومة، وجعل إيران «العدو الأوّل»، واعتبارها «أخطر من إسرائيل وأكثر إجراما»، وهي عناوين انتقلت من أوساط المتصهينين العرب إلى الإعلام في البحرين والخليج عمومًا.
ولأنّ الطاغية حمد – شخصيًّا – هو جزء لا يتجزّأ من الدعاية الأمريكيّة-«الإسرائيليّة» ضدّ المقاومة والجمهوريّة؛ كان من الطبيعيّ أن ينخرط نظامه وإعلامه بالكامل في تسويق المنظومة الدعائيّة التي تجرّم كلّ ما يمتّ بصلة إلى المقاومة ومحورها من إيران إلى لبنان، وكان في صُلب ذلك شنّ الحرب على شيعة البحرين، التي تندرج مباشرة ضمن الحرب المفتوحة على المحور المقاوم، وملاحقة القيم الدينيّة والنضاليّة التي ترتبط بهذا المحور، من تجريم تمجيد المقاومة، إلى محاربة عقائد الشيعة وشعائرهم.
هناك مجرمون كبار يرتكبون جرائم القتل والدمار والإبادة، وهناك مجرمون صغار يتولّون حرب الدعاية وصناعة الأكاذيب واختلاق القصص المضلّلة. ولا يقلّ مجرمو حرب الدعاية سوءًا وإجرامًا عن مرتبكي الجرائم الدمويّة، بل هم أكثر خطورة، لأنّهم يغطّون على جرائم الإبادة، وينكبّ جهدهم على محو آثارها، وتلميع وحوشها. وبعد نجاح «إسرائيل» في التوغّل داخل الخليج، وخاصّة الإمارات والبحرين، وسيطرتها الكاملة على الرواية الرسميّة لصالح الكيان المحتلّ؛ فإنّ واحدًا من الدروس التي خلص إليها العدوّ «الإسرائيليّ» هو أفضليّة تجنيد الداخل لتولّي الدعاية المضلّلة، أي استنساخ «عرب وخليجيّين» ينطقون بلسانهم ما يقوله «أفيخاي أدرعي» وما تصوغه «الهاسبارا» (مؤسسة الدعاية الإسرائيليّة)، و«الوحدة 8200» في الجيش الصهيونيّ.
هناك مجرمون كبار يرتكبون جرائم القتل والدمار والإبادة، وهناك مجرمون صغار يتولّون حرب الدعاية وصناعة الأكاذيب واختلاق القصص المضلّلة. ولا يقلّ مجرمو حرب الدعاية سوءًا وإجرامًا عن مرتبكي الجرائم الدمويّة، بل هم أكثر خطورة، لأنّهم يغطّون على جرائم الإبادة، وينكبّ جهدهم على محو آثارها، وتلميع وحوشها. وبعد نجاح «إسرائيل» في التوغّل داخل الخليج، وخاصّة الإمارات والبحرين، وسيطرتها الكاملة على الرواية الرسميّة لصالح الكيان المحتلّ؛ فإنّ واحدًا من الدروس التي خلص إليها العدوّ «الإسرائيليّ» هو أفضليّة تجنيد الداخل لتولّي الدعاية المضلّلة، أي استنساخ «عرب وخليجيّين» ينطقون بلسانهم ما يقوله «أفيخاي أدرعي» وما تصوغه «الهاسبارا» (مؤسسة الدعاية الإسرائيليّة)، و«الوحدة 8200» في الجيش الصهيونيّ.


















