تدرك أنظمة الخليج، خاصّة المتورّطة في العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على إيران، أنّ مصيرها بات على محكّ استراتيجيّ غير مسبوق. إنّ ما يجعل هذه الأنظمة في وضع عصيب هو أنّ كلّ خياراتها المتاحة لن تجدي في توفير المخرج الآمن لها، وعلى النحو الذي يجعلها تستمر بعد الآن في وجودها الطبيعيّ. وهذا الأمر هو الذي يفسّر تأرجحها بين مسارين متضاربين: زيادة الانخراط في الحلف الأمريكيّ- الصهيونيّ، واقتناص أيّ مسار دبلوماسيّ قد ينجيها من هجمات أكثر إيلامًا في حال اشتدّت المواجهة الإقليميّة. وقد عبّر الطاغية حمد عن «مأزق الخيارات» في كلمته الاستعراضيّة التي ألقاها يوم الثلاثاء 28 يوليو الجاري، لتكشف كلماته المتناقضة مجدّدًا مآل المحنة الخانقة التي تحيطه ونظامه المهزوز.
ماذا يعني احتفاء الطاغية حمد بإجراء تمرين عسكريّ في البحرين، والادّعاء في الوقت نفسه بعودة الحياة الطبيعيّة إلى البحرين؟
تمثّل ظروف كلمة حمد يوم 28 يوليو مثالًا نموذجيًّا لسياسة الأكاذيب والاستعراضات، فقد استغلّ الطاغية حدثين ليخرج بكلمة متلفزة ظنًّا منه أنّها تتيح له تثبيت حضوره وسط الأمواج المتلاطمة التي تهبّ من مضيق هرمز، وسواحل الخليج. ففي صباح ذلك اليوم انطلق التمرين المشترك الذي يحمل عنوان «درع البحرين»، ويستمرّ حتى نهاية يوليو، وجرى اختيار هذا اليوم ليلتقي حمد بسفراء جدد، ويلقي عليهم كلمته في جوّ من الاحتفال الباهت. وقد اعتاد آل خليفة الاعتقاد أنّ هذا اللون من دبلوماسيّة الاستعراض يوفّر المناخ المناسب لتمرير الرسائل المركبة، أو بالأحرى لإظهار القوّة الوهميّة في الخروج من الأزمات المركّبة. ولذلك دارت كلمة حمد في مدار من التناقض الفجّ، حينما تحدّث عن استمرار الحياة الطبيعيّة في البحرين، مستدلًّا على ذلك باستقبال سفراء جدد، وتباهى أمامهم بقيادة نظامه لتمرين عسكريّ مشترك مع دول الخليج، جوًّا وبحرًا وبرًّا، متحدّثًا عن الاقتراب الشديد من «خطوط المواجهة»، ولكنّه في الوقت نفسه لا يخفي أمله بعدم تصاعد الأوضاع، وأن يُحتوى الموقف «قدر الإمكان». هذا التناقض البيّن هو تجسيد لضياع حمد ونظامه وارتباكه في تحديد خيارات الإنقاذ والإفلات من العقاب الآتي.
ما سبب وقوع آل خليفة في مأزق الخيارات المركّبة؟ وهل يمكن للنظام أن يقلّل حجم المخاطر المحدقة به عبر التحالف مع كلّ أعداء الأمّة وتقديم الخدمات لهم؟
اختار الطاغية حمد أن يصعد على كلّ المراكب التي تقدّم له فرص النجاة من الغرق، وخاصّة بعد العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على الجمهوريّة. ولعلّ المفتاح الدقيق لفهم ذلك هو الإشارة إلى الأزمات المركّبة التي تورّط فيها حمد ونظامه، أو تسبّبا بها بعد حرب شهر رمضان الفائت. والمظهر الأساسيّ لذلك يتمثّل في تورّط آل خليفة في عدوان مزدوج، داخل البحرين وخارجها. فمن جهة، هناك العدوان المفتوح على شيعة البحرين، ومن جهة أخرى هناك المشاركة في الحرب العدوانيّة على إيران. ومن الطبيعيّ أنّ كلا الحربين متداخلتان، ولكن حجم التورّط الخليفيّ فيهما يجعل حمد في وضع الغارق وسط الرياح العاتية، الذي يضطرّ إلى مدّ يديه لأيّ مركب يمرّ عليه، ويغريه بطوق النجاة. ومن المعروف أنّ كلّ المراكب التي تحيط بنظام آل خليفة – وبقيّة أنظمة الخليج – تُسيّر وفق الأجندة الأمريكيّة- الصهيونيّة، وهي تبدأ من مركب القواعد والمصالح الأمريكيّة، ومركب التبعيّة لآل سعود وآل نهيان وآل صباح، مرورًا بمركب الصهاينة والالتحاق المطلق بهم، وليس انتهاء بمركب التكفيريّين بقيادة «الجولاني». والسؤال الذي يهرب منه آل خليفة: منْ ينجي هذه المراكب من النيران والعواصف، حتّى تكون مراكب أمانٍ للآخرين؟
التحليل السياسيّ (13) الطاغية الغارق في الخليج: مأزق الخيارات المركّبة.. هل يفلح آل خليفة في الوصول إلى طوق النجاة من الأمواج المتلاطمة؟
Screenshot ٢٠٢٦٠٧٣١ ٢٢٥٠٠٦ Google




















