حين تفقد السلطة بوصلتها يصبح الشعب هو الحقيقة الوحيدة الباقية، فالأوطان ليست ثكناتٍ عسكريّة، ولا تُدار الشعوب بعقليّة الحصار الدائم، فالدولة التي تبني وجودها على القمع، وتُشيّد استقرارها فوق ركام الخوف، إنّما تحفر بيديها قبر شرعيّتها السياسيّة والأخلاقيّة، مهما امتلكت من أدوات البطش والقوّة.
من هنا يكتسب بيان «رئيس مجلس الشورى في ائتلاف 14 فبراير» أهميّته؛ لأنّه لا يتعامل مع المشهد البحرانيّ على أنّه أزمةً أمنيّة فحسب، بل على أنّه انهيار متدرّج في العلاقة بين السلطة والشعب، بعد سنواتٍ من الإقصاء والتضييق والتجريف السياسيّ والاجتماعيّ الذي طال شريحةً أصيلة من أبناء الوطن.
فالسلطة التي تُسقط الجنسيّات، وتلاحق أبناء الطائفة الشيعيّة، وتعتقل علماءهم، وتتعامل مع المطالب الشعبيّة بوصفها تهديدًا وجوديًّا، لا تُنتج دولةً قويّة، بل تُنتج مجتمعًا مثقلًا بالغضب والاحتقان وفقدان الثقة، لأنّ الأمن الحقيقيّ لا يُصنع بالعصيّ والهراوات، وإنّما يُصنع حين يشعر المواطن أنّه شريك في وطنه لا متّهم فيه.
رئيس مجلس الشورى في ائتلاف 14 فبراير يذهب في بيانه أبعد من توصيف الأزمة الداخليّة، ليربطها ببنية الارتهان الخارجيّ والتحالفات التي حوّلت البحرين إلى ساحةٍ مفتوحة لصراعات الإقليم، فوجود القواعد الأجنبيّة، بحسب البيان، لم يجلب للبلاد مظلّة أمان كما رُوّج طويلًا، بل جعلها أقرب إلى خطّ النار، وأدخلها في حسابات المواجهة الكبرى، حتى غدت السيادة الوطنيّة نفسها رهينةً لأجندات الخارج.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: بدلًا من أن تبحث السلطة عن أسباب هشاشتها السياسيّة، ذهبت إلى تصعيد القبضة الأمنيّة ضدّ الداخل، وضدّ الشيعة خصوصًا، وكأنّ المواطن هو العدوّ، لا السياسات التي دفعت البلاد إلى هذا المأزق التاريخيّ.
إنّ أخطر ما يمكن أن تقع فيه أيّ سلطة هو أن تتوهّم أنّ القوّة تُقاس بعدد السجون، أو بقدرتها على إسكات الأصوات، فالتاريخ لا يحفظ الأنظمة التي بالغت في البطش، بل يحفظ الشعوب التي تمسّكت بحقّها في الكرامة والعدالة، وكلّ سلطةٍ تفصل نفسها عن الشعب، تتحوّل مع الوقت إلى كيانٍ معزول يعيش فوق فوهة قلقٍ دائم، مهما بدا متماسكًا من الخارج.
لذلك فإنّ جوهر الرسالة التي يحملها البيان يتجاوز البحرين نفسها؛ إنّه تحذيرٌ سياسيّ وأخلاقيّ من وهم الاستقرار القائم على القمع، فالاستقرار الذي لا يقوم على العدالة هشّ، والأمن الذي لا يستند إلى رضا الناس مؤقّت، والدولة التي تخشى شعبها أكثر ممّا تخشى أعداءها، إنّما تعترف ضمنيًّا بأزمتها العميقة.
إنّ الشعوب لا تطلب المستحيل؛ هي تطلب وطنًا لا يُهان فيه الإنسان بسبب هويّته، ولا يُجرَّد من حقوقه لأنّه يختلف سياسيًّا أو مذهبيًّا. تطلب دولةً ترى في مواطنيها مصدر قوّتها، لا مشروع تهديد دائم لها، وفي اللحظة التي تُدرك فيها الأنظمة أنّ الكرامة الشعبيّة ليست خطرًا على الدولة بل شرط بقائها، تبدأ أبواب الإنقاذ الحقيقي بالانفتاح، أمّا الإصرار على منطق القمع والإقصاء والتخوين، فلن يقود إلّا إلى مزيدٍ من التصدّع، لأنّ الشعوب قد تصمت طويلًا لكنّها لا تنسى، ولا تتخلّى عن حقّها في وطنٍ يشبهها.



















