أطلق المجلس السياسيّ في ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير سلسلة التحليل السياسيّ، والتي يتناول فيه وضع المنطقة والبحرين في خضم الأحداث التي تشهدها.
وحملت الحلقة الأولى من هذه الحلقة عنوان: خيارات آل خليفة: إعلان «التحالف الإماراتيّ- الإسرائيليّ».. وتآكل سياسات الهيمنة الأمريكيّة، وجاء فيها:
في أواخر ستينيّات القرن الماضي؛ شهدت منطقة الخليج انسحاب الاستعمار البريطانيّ إثر عوامل مركّبة، وبدأت الولايات المتحدة بعدها وراثة التركة الاستعماريّة عبر سيطرتها المتتالية، والتحكّم في شعوب المنطقة وثرواتها. على نسق النمط الاستعماريّ القديم؛ تولّى الأمريكان حماية أنظمة القبائل غير الشرعيّة، وجرى تفاهم أمريكيّ بريطانيّ على تصميم هندسة جيوبوليتكيّة لتأمين مصالحهما في المنطقة، وارتكزت في حينه على سياسة دمج تسع قبائل متناحرة ضمن ما سُمّي آنذاك «الاتحاد الإماراتيّ التساعيّ»، الذي يضمّ ما يُعرف اليوم بالإمارات العربية، إضافة إلى البحرين وقطر. كان الاعتقاد أنّ سياسة الدمج ستُتيح للمستعمر الأمريكيّ الجديد مرونة أكبر في حماية المشيخيّات الصغيرة في الدوحة والمنامة، أمام المدّ الوهابيّ السعوديّ من جهة، والتوسّع المتنامي لحكومة الشاه في إيران من جهة أخرى.
في ذلك الوقت؛ ظلّ الصراع القبليّ قائما في الخليج، ومعه زادت هواجس آل خليفة وآل ثاني من الذوبان التدريجيّ تحت هيمنة أبو ظبي. وعلى وقع ذلك، تبدّد مشروع الدمج الذي خطّط له الأمريكيّون والبريطانيّون وهدأت الأمور ظاهريّا تحت مظلّة مجلس التعاون الذي كان يُخيّل للقبائل بأنّه سيوفّر لهم الأمن في وجه الثورة الإسلاميّة.
ولكن، وعلى مدى عقود، اهتزّت المنظومة الجديدة، ولم تفلح هذه الصيغة في الحدّ من تجدّد الصراع بين مشايخ الخليج، بالتوازي مع إخفاق الأمريكيين في استراتيجيّاتهم في الحفاظ على استقرار النموذج الخليجيّ الخاضع للهيمنة المطلقة.
في هذا السياق، ظهر آل خليفة باعتبارهم الحلقة الأضعف في معادلة الصراع والهيمنة بالخليج. وكشف زلزل ثورة ١٤ فبراير ٢٠١١ أنّ الخليفيين كانوا على وشك السقوط المدويّ، لولا مقتضيات مصالح الأنظمة الخليجيّة التي وجدت نفسها أمام اختبار المناورة الأمريكيّة مع الثورات التي شهدتها المنطقة آنذاك. مع اهتزاز كراسي المشيخيات؛ اندفعت قبائل الخليج لحماية آل خليفة، وأرسلوا الجيوش لقمع الثورة وإخماد نارها عن دولهم. على مدى السنوات الأولى للثورة؛ ألحّ الخليفيون على إقامة اتحاد خليجيّ يرمّم شعور أمان النظام المتهالك. ولكن تنافر شيوخ الخليج، وتناقض مصالحهم، وعدم تجاوزهم الثارات القبليّة القديمة؛ أدّى إلى انكسار حلم الاتحاد الخليجي، ثم احترق على صفيح الخلافات الخليجيّة المتتالية، خصوصا بعد العدوان على اليمن، ومن ثمّ حصار قطر، وتمدّد الصراع السعوديّ الإماراتيّ على مناطق النفوذ في البحرين وجنوب اليمن والسودان وغيرها.
ومع انعدام أمل آل خليفة في مظلة خليجيّة راسخة تؤمّن لهم الاستقرار السياسي والاقتصاديّ؛ فقد اختاروا الوجهة الأكثر تصادما، وهي الذهاب إلى التطبيع مع العدو، ومن بوابة الإماراتيين الذين طالت أيديهم كلّ ملفّات آل خليفة، ما فاقم ازدواجيّة الوجهة لدى الخليفيين، ومن ثمّ تفجّرها بعد العدوان الأمريكيّ الصهيونيّ على الجمهوريّة الإسلاميّة.
إنّ استراتيجيّة المواجهة التي اعتمدتها الجمهوريّة في وجه العدوان؛ سيكون لها تداعياتها الكبرى في إعادة رسم المنطقة، والخرائط الاستعماريّة التي سادت لعقود طويلة. وإلى جانب تفاقم الصراع بين قبائل الخليج، والتداعي المتواصل في منظومات الحماية الأجنبيّة؛ فإنّ الخيارات المتاحة لهذه القبائل لن تكون كثيرة، فإمّا أن تستجيب للإرادة الشعبية وتفكّ علاقاتها الخارجيّة، أو أنّها ستنخرط في جولات جديدة من التصادم وإعادة بناء التحالفات.
بالنسبة لآل خليفة، فإنّ تموضعهم المتهوّر مع النظام الإماراتيّ؛ سيُزيّن لهم الذهاب نحو الصيغة القديمة، أي تحت مظلة الإمارات العربيّة، تمهيدا لإنهاء مجلس التعاون، وبعدها إعلان التحالف القائم بإدارة “إسرائيل” ومباركة الأمريكيين. من المؤكد أنّ ذلك سيعني أنّ آل خليفة سيكونون أوّل ضحايا التصادم المقبل مع السعوديّة، وتحالفها الجديد المزمع إنشاؤه مع أنقرة وإسلام آباد ودول إقليميّة أخرى، ولكن ذلك لن يكن إلا التغيّر الظاهر على السطح، فما بعد العدوان على إيران لن يكون كما قبله