السفيرة الأمريكيّة في البحرين «ستيفاني هاليت»، التي سلّمت أوراق اعتمادها لوزير الخارجيّة «عبد اللطيف الزياني» منذ أقلّ من 4 أشهر، والتي تعرف جيّدًا الخارطة السياسيّة في البحرين، إذ سبق أن انخرطت أثناء عملها سابقًا في السفارة بالمنامة في مشاريع لتقويض المعارضة، قبل أن تنتقل إلى طاقم سفارة واشنطن بالقدس المحتلّة، تعود إلى الواجهة السياسيّة الإقليميّة بتصريحات تحمل عدّة أبعاد.
ففي بيان لها يوم 15 أبريل/ نيسان 2026 قالت «هاليت»: «نحن هنا، وكنّا هنا، وسنبقى هنا»، ثلاث عبارات مختصرة فيها ثلاث رسائل مفصّلة، وفق ما يرى مراقبون للشأن الإقليميّ وتداعيات العلاقات الأمريكيّة- الخليفيّة منذ بدء العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على الجمهوريّة حتى ما بعد وقف إطلاق النار الذي أُرغم عليه محور الشرّ وأذنابه من أنظمة الخليج.
خلال الحرب، فوجئ النظام الخليفيّ بأنّ حليفه الأمريكيّ الذي كان دائمًا يقدّم الوعود بحمايته من أيّ «عدوان خارجيّ» قد يتعرّض له، لم ينجح في ذلك، بل أكثر منه فمنظوماته الدفاعيّة «المتطوّرة» فشلت في حماية قواعده ومراكز عمليّاته في البحرين فضلًا عن قواعد النظام والمنشآت المدنيّة التي لم يجد الأمريكيّ بدًَّا من اللجوء إليها بعد خسرانه قواعده أمام الضربات الإيرانيّة، إلى جانب تعريض شعب البحرين للخطر عبر فشل صواريخه وسقوطها على منازل المواطنين، وهو ما كبّده الخسائر الاقتصاديّة الجسيمة.
ما عزّز شعور الغدر لدى النظام الخليفيّ كشفته «صحيفة بوليتيكو» الأمريكيّة التي نشرت، نقلًا عن برقياتٍ دبلوماسيّةٍ أمريكيّة، أنّ الحرب الإقليميّة أدّت إلى ظهور انطباعاتٍ عامّةٍ مفادها أنَّ الولايات المُتَّحدة تخلَّت عن البحرين وحلفائها الخليجيّين لصالح حماية أمن الكيان الصهيونيّ، بما يُهدِّد العلاقات السياسيّة والأمنيّة طويلة الأمد، إلى جانب روايات تفيد بأنّ الوجود العسكريّ الأمريكيّ حوّل البحرين فعليًّا إلى هدف، وفقًا للوثيقة الدبلوماسيّة المرسلة من السّفارة الأمريكيّة في العاصمة المنامة.
طبعًا هي ليست المرّة الأولى التي لا تقيم الإدارة الأمريكيّة وزنًا لأذنابها، وهو ما يدركه شعب البحرين الذي أصرّ على موقفه الرافض لوجود قواعدها العسكريّة في بلاده، بل دفع أثمانًا باهظة نتيجة ذلك حيث اعتقل من أبنائه المئات واتهموا بالخيانة وهدّدوا بسحب الجنسيّة، ولعلّ هذا الانتقام من الشعب هو نتيجة تيقّن النظام الخليفيّ بصوابيّة موقفه المخالف لقراراته هو، ما يشعره بالعجز والخزي فيعمد إلى سياسة القمع التي تخفف من وطأة عاره.
الصحيفة قالت إنّ وسائل الإعلام «الرسميّة» في البحرين ركّزت على ما قام به الجيش الخليفيّ لاعتراض الطائرات والصواريخ الإيرانيّة، مع إغفالها ذكر «الدّعم الأمريكيّ»، كما لم تعترف البيانات الرسميّة لحكومة النظام بالمعدّات والتّدريب التي قدّمتها الولايات المتّحدة للقوّات المسلّحة في البحرين، وألمحت إلى أنّ تجاهل النظام لذكر الدّور الأمريكيّ قد يكون نابعًا من الرغبة في حماية الأمن العملياتيّ للجنود والمعدّات الأمريكيّة، والوجود النشط للسّفارة البريطانيّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ خلق انطباعًا بأنّ المملكة المتّحدة كانت تتقدّم في حين كانت الولايات المتّحدة تتراجع – وفق الصحيفة الأمريكيّة.
لكنّ النظام الخليفيّ كان يسعى إلى تثبيت وجوده مستقلًّا عن الأمريكان، كما يرى محلّلون، فما أن انجلى غبار إحدى أقسى جولات المواجهة بين الجمهوريّة ومحور المقاومة من جهة وأمريكا والصهاينة و«حلفائهم» من جهة ثانية، حتى سارع إعلام النظام الخليفيّ وأقلامه المأجورة إلى الحديث عن تحقيق «الانتصار» على الجمهوريّة الإسلاميّة، وهو اعتراف رسميّ بمشاركته في العدوان هجومًا لا دفاعًا، ولا حتى وقوفًا على الحياد.
وفي سياق متصّل، جهد النظام الخليفيّ الذي وجد نفسه غارقًا في مستنقع هذه الحرب على الجمهوريّة بأن يحقّق إنجازًا قد يعلي من شأنه وحجمه السياسيّ، فتقدّم بمشروع قرار في مجلس الأمن الدولي في 7 أبريل/ نيسان 2026 لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، لكنّه أُسقط بسبب استخدام روسيا والصين حقّ النقض (الفيتو).
أمام كلّ هذا، كان لا بدّ للنظام من خطّة بديلة تحفظ ماء وجهه، وتضمن له البقاء، لذا استغلّ حاجة حليفه السابق البريطانيّ إلى استعادة نفوذه في منطقة الخليج، وتحديدًا البحرين، ولا سيّما مع ازدياد التوتر بين إدارة ترامب للحرب وموقف الدول الأوروبيّة المتردد تجاه الانخراط الكامل فيها، فكان قرار عقد صفقة عسكريّة بين شركة «كامبريدج إيروسبيس» البريطانيّة والدُّول الخليجيَّة، تتضمّن توريد صواريخ اعتراضيّة «سكاي هامر» وقاذفات، بحسب ما كشفه وزير الدفاع البريطانيّ «جون هيلي».
ومن المقرّر أن تبدأ أولى عمليّات التّسليم للدفعة الكبيرة من الصواريخ والقاذفات في شهر مايو/ أيّار المقبل، على أن تتواصل عمليّات التوريد خلال الأشهر السّتة الأولى من توقيع الاتفاقيّة التي تبلغ قيمتها ملايين الجنيهات، وتشمل خدمات التّكامل الفنيّ وتدريب المستخدمين النهائيّين، وتأتي هذه الصفقة العسكريّة بعد فشل منظومة الدِّفاع الأمريكيَّة «باتريوت»، المتمركزة في البحرين وعددٍ من الدُّول الخليجيَّة، في اعتراض مئات المُسيَّرات الإيرانيَّة، وتسبّبها في وقوع عدّة تفجيرات في دول المنطقة، منذ بدء العدوان الصّهيونيّ الأمريكيّ ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في 28 فبراير/ شباط 2026.
إذن، ليس عبثًا أن تختار أمريكا البحرين كإحدى أبرز محطّات جولة قائد القيادة المركزيّة الأمريكيّة «سنتكوم – براد كوبر»، فكانت زيارته ذات أوجه متباينة، لها أهدافها الظاهرة، ولها أبعادها الخفيّة، حيث أشاد بالشراكة العسكريّة الأقوى «من أيّ وقت مضى»، ونوّه بدور الطاغية «حمد عيسى الخليفة» وابنه «سلمان» وعددٍ من الدُّول الخليجيَّة بـ«دورهم» في الحرب الأمريكيّة الصهيونيّة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، متوجّهًا بالقول للصحافيّين: «لإعطائكم فكرة عن مساهمتهم وتأثيرهم، فقد كان حاكم البحرين ووليّ العهد يعرفان جنودنا شخصيًا بالاسم، وقد أعرب هذان القائدان عن تقديرهما لأفراد القوّات المسلّحة الأمريكيّة، الذين يواصلون الوقوف جنبًا إلى جنب مع شركائنا دعمًا للدّفاع الإقليميّ»، مضيفًا: «كانت البحرين والإمارات والسعوديّة وقطر والكويت والأردن حلفاء استثنائيّين، وأتيحت لي فرصة لقاء قياداتهم العليا وجنودهم، لقد كانوا مصدر إلهام والتزام متساوين بالدفاع المشترك، حيث دافعوا عن الأمريكيين وعن بلادهم، إنَّه لأمرٌ مُلهم».
يرى محلّلون سياسيّون أنّ هذا التصريح يخفي في طيّاته تهديدًا مبطنًّا مفاده «إن غرقنا في المنطقة ستغرقون معنا»، فأمريكا لم تكن يومًا ممن يحفظون الولاء الذليل، بل إنّ ما يحرّكها هو مصالحها وأمن الكيان الصهيونيّ.
السفيرة هاليت، بدورها، زارت وزير الخارجيّة الخليفيّ «عبد اللطيف الزيّاني»، وأكّدت عمق العلاقات التاريخيّة والشراكة الاستراتيجيّة القائمة بين البحرين والولايات المتحدة الأمريكية «الصديقة»، وما تشهده من تقدم ونماء ملحوظين في مختلف الصعد، وتبادلت معه وجهات النظر حيال التطوّرات الإقليميّة، ومستجدّات الأوضاع الراهنة وتداعياتها على الأمن الإقليميّ والاقتصاد العالميّ، إلى جانب بحث آفاق التعاون والتنسيق المشترك إزاء القضايا الإقليميّة المعروضة على مجلس الأمن وذلك لترسيخ مقولتها: «نحن هنا، وكنّا هنا، وسنبقى هنا»، التي تؤكّد رؤية ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير أنّ الإدارة الأمريكيّ تعامل البحرين كمنطقة نفوذ لها لا كدولة ذات سيادة.
فهل سمحت أمريكا للنظام الخليفيّ، خلال الأسابيع الماضية، بأخذ فسحة «صغيرة» في ملعب الكبار، على أن تعيد سحب البساط من تحت قدميه وإحكام قيدها عليه مجدّدًا؟


















