لماذا يعادي آل خليفة فلسطين؟ ربّما يبدو السؤال مؤدلجًا، أو مجرّد مساجلة خطابيّة ضدّ النظام الخليفيّ. لكن، هذا سؤال نعدّه أساسيّا لفهم طبيعة هذا الكيان غير الشرعيّ، ومعرفة الأسباب العميقة لكلّ ما يحدث بحقّ شعب البحرين منذ عقود طويلة، حتّى اليوم.
في البداية، يجب الاتفاق على مسألة أساسيّة، وهي أنّ قضيّة فلسطين – بحقّ – هي ميزان حسّاس، ومنه تُقاس درجة الاستقامة والانسجام لدى الأفراد والجماعات والأنظمة. على مدى السنوات الماضية، كانت الشعوب أمام مشاهد مريبة من التحوّلات في هذه القضيّة، نتيجة عوامل متداخلة، بعضها يتعلّق باختلال الموازين في المنطقة والعالم، وبعضها الآخر جاء نتيجة اختلال المقاييس والمنظومة الثقافيّة والأخلاقيّة، وثمّة عوامل جاءت بسبب المشاكل الداخليّة لدى الشعوب والقوى التحرّريّة نفسها. وما يمكن الجزم به هو أنّ مقدار الثبات أو درجة الانحراف عن قضيّة فلسطين هو المعيار الحاسم في تقييم الجماعات والأنظمة بصورة عامّة.
كيف تأسّست العلاقة بين آل خليفة والصهاينة في عقد التسعينيّات؟ وما الملفّات المشتركة التي ميّزت العلاقة في تلك الحقبة؟
يمكن في الحدّ الأدنى تأريخ العلاقة بين آل خليفة والصهاينة من سبتمبر 1994. كان ذلك قبيل انطلاق أوسع انتفاضة شعبيّة شهدتها البلاد قبل ثورة 14 فبراير (2011). في ذلك التاريخ، زار وزير البيئة الصهيونيّ «يوسي ساريد» المنامة للمشاركة في مؤتمر دوليّ حول قضايا البيئة، وكانت أوّل زيارة لوفد «إسرائيليّ» للبحرين. في غضون سنتين، وفي أوج انتفاضة التسعينيّات؛ التقى وزير الخارجيّة الخليفيّ الأسبق «محمد بن مبارك» في العام 1996 نظيره الصهيونيّ «إيهود باراك» في الأمم المتحدة، وأتبع ذلك اتصالات تجاريّة بين الجانبين، أخذت شكلًا غير رسميّ حتّى حينه. من غير العسير اكتشاف أنّ الملف الأمنيّ كان الخيط الرفيع الذي شبّك بين آل خليفة والصهاينة في ذلك الوقت، على النحو الذي أثبتته أحداث الانتفاضة التسعينيّة، ومع رصد أساليب أمنيّة في قمع المواطنين وملاحقة النشطاء والمعارضين. ولكن، سيتبيّن لاحقًا أنّ الأمن لم يكن غير «المدخل» الذي كشف أسرار التلاقي الخبيث بين الخليفيّين والصهاينة.
ما الذي تغيّر في العلاقة بين آل خليفة والصهاينة بعد العام 2000؟ ولماذا كان الطاغية حمد المفتاح السريّ في سيرة التقارب بين الكيانين الخليفيّ والصهيونيّ؟
مع نهاية عقد التسعينيّات، وبدء التحوّل الداخليّ نتيجة موت الأمير السابق ومجيء الطاغية الحالي حمد إلى الكرسيّ؛ كان يُفترض أن يرتدع آل خليفة عن الانفتاح على الصهاينة، ويأخذوا في الحسبان إجماع شعب البحرين على رفض الكيان المحتلّ، وموقفه في النصرة الكاملة لفلسطين ومقاومتها. لقد كان الطاغية ومستشاروه يدركون حساسيّة هذا الملف لدى الشعب، ولكنّ ذلك لم يمنعهم من المضي في المسار المرسوم منذ سنوات (سرًّا) باتجاه العلاقة مع الكيان الصهيونيّ، غير أنّهم اكتفوا آنذاك باعتماد سياسة بناء الخطوات التمهيديّة، والتدرّج في إكمال هذه العلاقة حتى الوقت المناسب، وإلى أن ينجح الخليفيّون في تفكيك الانسجام الشعبيّ الذي حصل بعد العام 2000، ويزرعوا الشقاق داخل الصفّ الوطنيّ العام. ومن جانب آخر، فإنّ آل خليفة كانوا يأخذون بالحسبان الوضع الإقليميّ، وخصوصًا الموقف الإماراتيّ والسعوديّ تجاه العلاقة مع الصهاينة، وهو الموقف الذي لم ينضج في ذلك الوقت لدى حكّام الرياض وأبو ظبي. وبشكل أساسيّ؛ يمكن رصد حدثين يؤشّران على تلك السياسة التدريجيّة، الأوّل جرى في سبتمبر 2005 بإعلان آل خليفة رفع المقاطعة الاقتصاديّة عن «إسرائيل» رسميًّا، في إطار التزامات اتفاقيّة التجارة الحرّة مع الولايات المتحدة. والثاني في سبتمبر 2007، حين التقى وزير الخارجيّة الخليفيّ «خالد بن أحمد» آنذاك مع نظيرته الصهيونيّة «تسيبي ليفني» في مقرّ الأمم المتحدّة بنيويورك.
كيف نضجت العلاقة بين الخليفيّين والصهاينة في مطابخ نيويورك؟ وما الحدث الذي فضح آخر خيط في العلاقة بين الجانبين؟
مع بدء الطاغية حمد في كشف مخطّطه السريّ لتخريب التركيبة السكانيّة في البحرين، وزرع الشقاق الوطنيّ في صفوف المعارضة، فضلًا عن ضخّ المرتزقة والمجنّسين في المشهد العام للبلاد؛ كانت وتيرة الاندفاع تجاه الكيان الصهيونيّ تزداد بشكل غير مسبوق، وزاد التقارب بين الجانبين في العلن وعلى مستويات مختلفة. ومع أخذ البوابة الاقتصاديّة والتجاريّة في البروز أكثر ممّا سبق، أخذ التعاون الأمنيّ صعودًا كبيرًا أيضًا مع ثورة 2011، لتنكشف حقيقة المشروع الذي جاء به الطاغية تحت ستار «الإصلاح»، وهو المشروع الذي تبيّن مع الوقت أنّه يقوم على الأسس ذاتها التي قام بها المشروع الصهيونيّ في فلسطين المحتلّة.
على مدى العقد الأوّل من ثورة 14 فبراير، أظهرت التقارير العلاقات الأمنيّة الوطيدة بين آل خليفة والصهاينة، بهدف قمع المحتجّين ومراقبة النشطاء عبر برامج التجسّس «الإسرائيليّة». أمّا في الموضوع الاقتصاديّ فيمكن الإشارة إلى حدث معبّر جرى في سبتمبر 2017 عندما انفضح آخر خيط في العلاقة بين الجانبين، إذ ندّد الطاغية حمد في كلمة أمام مركز يهوديّ بالولايات المتحدة بالمقاطعة العربيّة لـ«إسرائيل»، ودعا إلى تبادل الزيارة تحت غطاء التسامح الدينيّ!
متى اكتشف آل خليفة أنّ المشتركات التي تجمعهم مع الصهاينة تفوق المشتركات مع الآخرين؟ وكيف بدأ مسار العلاقة بعد 2018؟
اكتشف آل خليفة أنفسهم في الصهاينة، وكانوا لهم بمثابة المرآة. لقد وجدوا أنّ المشتركات التي تجمعهم ليست متوفّرة مع الآخرين، بما في ذلك شعب البحرين. هذا الوصف ليس خطابيًّا أو دعائيًّا. فما جرى بين الجانبين من تلاقٍ واسع منذ 2018 حتّى يومنا هذا؛ لا يمكن تفسيره وفق منطق العلاقات الدوليّة، أو لأسباب اقتصاديّة أو حتّى أمنيّة فقط، خصوصًا مع ترافق ذلك مع عداوة وعدوان لا نظير لهما من آل خليفة تجاه قضيّة فلسطين، وضدّ كلّ ما يمتّ بصلة مع مقاومة المشروع الصهيونيّ في المنطقة. ولكي يتأكد أنّ تطابُق هويّة آل خليفة مع الصهاينة هو السبب وراء ذلك؛ يكفي المرور على خط زمنيّ مكثّف لما جرى بين الطرفين، ففي مايو 2018 دافع وزير الخارجيّة الخليفيّ عن «حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وفي يونيو 2019 استضاف آل خليفة مؤتمر «السلام من أجل الازدهار» (صفقة القرن)، وفي أكتوبر 2019 حضر مسؤولون «إسرائيليّون» للبحرين للمشاركة في مؤتمرات أمنيّة ودينيّة، وصولًا إلى سبتمبر 2020 بإعلان التطبيع الدبلوماسيّ الكامل.
ما مسار العلاقة بين آل خليفة والصهاينة بعد إعلان التطبيع في 2020؟ وكيف كشفت حرب الإبادة في غزّة التطابق الكامل بين الجانبين؟
من المهمّ مراجعة المسار الزمنيّ للعلاقة بين آل خليفة والصهاينة بعد إعلان التطبيع، وذلك لفهم عداوتهم المزدوجة ضدّ شعب البحرين وشعب فلسطين على حدّ سواء. ففي سبتمبر 2021 افتُتحت السفارة الصهيونيّة في المنامة، وفي فبراير 2022 جاء رئيس الوزراء الصهيونيّ «نفتالي بينيت» ووزير دفاعه «بيني غانتس» إلى المنامة، ووقّعا اتفاقيّة تعاون أمنيّ واستخباريّ هي الأولى من نوعها مع دولة خليجيّة. وفي مارس من العام نفسه، شارك النظام الخليفيّ في «قمّة النقب» التي سبقت حرب الإبادة على غزّة. وقبل شهر واحد من حرب الإبادة حلّ وزير الخارجيّة الصهيونيّ «إيلي كوهين» المنامة لافتتاح المبنى الدائم للسفارة الصهيونيّة. ورغم التخفيض الشكليّ والمؤقت للعلاقة بين الجانبين، بسبب الغضب الشعبيّ والعالميّ من جرائم الإبادة في غزّة؛ لم يُخفِ آل خليفة انحيازهم للرواية الصهيونيّة حول 7 أكتوبر، ووصفه المقاومة بالتوحّش، وواصلوا تقديم الخدمات للصهاينة ضدّ المقاومة في غزّة ولبنان خاصّة، واستقبلوا السفير الصهيونيّ الجديد في أغسطس 2025. وباختصار، يمكن القول إنّ الاتصال العلنيّ بين الطاغية والرئيس «الإسرائيلي» (هرتسوغ) في يوليو 2026 يشكّل خلاصة حكاية التطابق بين الكيانين، وتحديدًا التطابق في «هويّة» الاحتلال، والإجرام، وتطهير المواطنين الأصليّين.
التحليل السياسيّ (23): لماذا يعادي آل خليفة فلسطين؟.. مسار التطبيع والتطابق بين الخليفيّين والصهاينة: من الأمن.. إلى الهويّة




















