هل تأخذ الحكومات العربيّة، وخاصّة المطبّعة مع العدوّ الصهيونيّ، العبرة من نتائج الانتخابات النصفيّة في الولايات المتحدة؟ هذا السؤال لا يتجاهل أنّ ما يجري في أمريكا هو مجرّد تغيّرات داخل «السيستم» المحكوم، حتّى الآن، بأيدي الشركات الكبرى وأباطرة الإعلام المعولم. ولكن الأمور، من زاوية أخرى، يمكن قراءتها على أنّها شكل من أشكال العواصف التي تحصل داخل القارورة، ويؤدّي إلى تصاعدها حتى الانفجار في نهاية المطاف.
الفائدة التي لا يصحّ الغفلة عنها هي أنّ الأمور لا تبقى على حالها حتّى النهاية، وأنّ جبهات الحقّ – على تفاوتها – حين تتحالف فيما بينها فستحقّق أهدافًا قد يراها بعضهم اليوم، أو غدًا، مجرّد أحلام كبرى، ولا مكان لها في الواقع. ولكنّ المشهد الأكثر تراجيديّة فيما يجري هو أنّ الأنظمة في الخليج المطبّع لا تزال تصرّ على البقاء داخل الفقاعة، ولا تريد أن ترى ما يدور حولها من تغيّرات.
– ماذا تعني نتائج الانتخابات النصفيّة الأمريكيّة على مستوى الديكتاتوريّات القائمة في الخليج؟
من المؤكّد – وكما تظهر نتائج الانتخابات النصفيّة الأمريكيّة المتكرّرة – أنّ المراهنة على تداول السلطة بين الجمهوريّين والديمقراطيّين لن يؤدي إلى تغيير شاملٍ في واقع الهيمنة الاستعماريّة للنظام الأمريكيّ، فما يحصل هو تغيير في الشكل، وفي دائرة التكتيكات. لكن ذلك ليس كلّ الحكاية، لأنّ ظهور الكوفيّة الفلسطينيّة على كتف بعض الفائزين في الانتخابات النصفيّة يمكن أن يفتح نوافذ أخرى لاستشراف ما قد يحصل، وعلى طريق «إركاع أمريكا»، كما قال الشهيد الإمام الخامنئي (قدّه). في خصوص الأنظمة الديكتاتوريّة في الخليج، والأثر الممكن لنتائج الانتخابات؛ يجب الإمعان في التراجع الملموس في سياسة واشنطن بتقديم حمايتها المطلقة على «شيكات على بياض»، خصوصًا أنّ الدعاوى القضائيّة داخل المؤسّسة الأمريكيّة نفسها من الممكن أن تمتدّ إلى أنظمة الخليج بفعل الاحتجاج المتنامي في أمريكا، لتقطع عليها سياسة الاستثمار الماليّ والسياسيّ في واشنطن، وبما يجعل هذه السياسة بلا جدوى على صعيد تبييض سمعة الأنظمة والتغطية على جرائمها بحقّ الشعوب في الخليج.
– كيف يمكن التأسيس على نتائج الانتخابات النصفيّة على مستوى مواجهة التمدّد العسكريّ الأمريكيّ في الخليج؟
تتزايد المؤشّرات على الكلفة السياسيّة لاستضافة القواعد الأمريكيّة في البحرين والخليج، وستصبح هذه القواعد جزءًا من السجال الأمريكيّ الداخليّ، تمامًا كما أصبح الدعم الأمريكيّ لـ«إسرائيل» موضوعًا انتخابيًّا بامتياز. هذا الواقع يُفترض أن يأخذ مساحة أوسع في العمل السياسيّ المعارض في الخليج، ولا سيّما على المستوى الدبلوماسيّ والإعلاميّ الموجّه إلى مؤسّسات صنع القرار في أمريكا، والغرب عمومًا. يمكن تأسيس ذلك على الأصوات التي ارتفعت في التجمّعات الانتخابيّة التي شهدتها الولايات المتحدة، وما صاحبها من صوت رافض لانخراط واشنطن في حروب خارجيّة على حساب المواطنين الأمريكيّين ومعيشتهم، فضلًا عن الترتيب على النتائج التراكميّة التي تسبّبت بها الإبادة في غزّة، والنموّ المتسارع للجيل الجديد المناهض للحروب الإباديّة. ومرّة أخرى، تنأى أنظمة الخليج عن التقاط هذه المؤشّرات، وهي في حال استمرّت بذلك فإنّها ستكون في وضع يُرِثى له نتيجة إعادة الولايات المتحدة لسياساتها الأمنيّة في الخليج. الخيط الوحيد الذي يمكن أن يكون طوق النجاة اليوم هو الاستجابة للموقف الإيرانيّ في التشارك المتساوي لبناء أمن إقليميّ، بلا قواعد أجنبيّة، ولا تبعيّة للأحلاف الاستعماريّة.
أثبتت أنظمة التطبيع في الخليج أنّها لا تستجيب طواعية لمطالب الشعوب وطموحاتها في الحريّة والعدالة، ولذلك جاء تطبيعها مع العدوّ الصهيونيّ على عكس توجّه هذه الشعوب وإرادتها، لأنّ أولويّة هذه الأنظمة هي تأمين مصالحها وتوفير حماية – من أيّ كان – لعروشها وهيمنتها على العباد والبلاد. وعليه، فإنّ تغيّر حال أنظمة الخليج، وعلى وقع ما يجري في الولايات المتحدة لن يأتي من باب «مراجعة الذات» وإعادة تقييم سياساتها اختياريًّا، بل سيتحقّق – ولو تدريجيًّا – تحت وطأة الضغط الشعبيّ من جهة، وانكسار مظلّات الحماية الخارجيّة من جهة أخرى. وإذا كانت الخطوة الأولى التي تختبر جدّية أنظمة الخليج هي التحرّر من الهيمنة الأمريكيّة، ورفع اليد عن قهر الشعوب واضطهادها؛ فإنّ الوصول إلى ذلك يتطلّب نهضة جديدة لنخب الخليج الشريفة، وإعادة تنظيم صفوفها، والعودة إلى المسار الصحيح بالوقوف إلى جانب الشعوب، وتصحيح القراءات القديمة التي كانت ترتهن للمنظور الأمريكيّ- «الإسرائيليّ»، وتعتقد أنّ عصر «ترامب ونتنياهو» أبديّ وقدريّ، ولا يمكن مواجهته وإسقاطه.
يتطلّب ذلك، من جانب آخر، الاستفادة الجريئة من الدروس التي قدّمتها إيران وجبهة المقاومة وهي تواجه العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ.
يعاني النظام في البحرين من مشكلةٍ جوهريّة تجعله غير قادر على إجراء تكيّف طبيعيّ وتلقائيّ مع التغيّرات المتسارعة حوله. فهذا النظام تشكّل، منذ احتلاله البحرين، على أربع خصال جوهريّة لم يجتهد للتخلّص منها، وهي: جنون العظمة، وشهوة السلطة، وكراهية الشعب، والارتهان بالمستعمرين الكبار؛ وهذه الخصال تفسّر لنا السبب الذي يجعل آل خليفة يبدون وكأنّهم غير آبهين بما يجري حولهم، ويواصلون طريقهم وكأنّهم في جزيرة معزولة. لا شكّ في أنّ شيئًا مشابهًا لذلك يوجد لدى بقيّة أنظمة الخليج المطبّعة، لكنّ احتمال الخطورة تزيد عند آل خليفة، لأنّ كلّ خصلة من الخصال الأربع تتوفر لديهم بدرجة أعلى، وبمنسوب يتجاوز العقل والواقع. لذلك، يمكن القول إنّ الكيان الخليفيّ لم يعد مجرّد مشيخة خاضعة لهيمنة الخارج، وهو ليس فقط نظامًا وظيفيًّا تتحكّم فيه قوى الشرّ في الإقليم والعالم، بل هو أداة استعماريّة مفتوحة أمام رهانات قوى الاستكبار وارتهاناتها، وكيفما بدّلت هذه القوى رهاناتها ومصالحها تبدّل حال أداتها الاستعماريّة ومصيرها.



















