جاءت زيارة الرئيس الفرنسيّ «إيمانويل ماكرون» للبحرين ودول خليجيّة أخرى، في إطار التحوّلات المضطربة التي تشهدها المنطقة بعد الحرب العدوانيّة على إيران. فلم يعد من الممكن فصل المسارات الدبلوماسيّة التي تجري في الخليج بمعزل عن آثار العدوان على إيران، ولا سيّما مع ما أظهرته من تثبيت معادلات استراتيجيّة جديدة لضمان أمنها وأمن حلفائها، بما في ذلك المواجهة المباشرة لمصادر العدوان، ومنها تلك التي تأتي من داخل دول الخليج التي تنتشر فيها القواعد العسكريّة الأجنبيّة. لذلك، فإنّ الحفاوة التي أظهرها الطاغية حمد في استقبال ماكرون إنّما تأتي – في الحقيقة – تحت وطأة الحاجات الملحّة التي تضغط على آل خليفة بعد انكشاف تواطؤهم في العدوان على إيران، وشعورهم بالخطر الجدّي الذي يهدّد نظامهم غير الشرعيّ، خصوصًا مع تثبيتهم التحاقهم بالحلف الصهيونيّ- الأمريكيّ، وعدم توانيهم عن إظهار العدوانيّة لإيران ومن يتضامن معها، وعلى النحو الذي يفسّر أسباب شنّ الطاغية حرب التطهير على الشيعة وعلمائهم في البحرين.
هل تأتي زيارة ماكرون للبحرين في إطار نمط العلاقات الدبلوماسيّة الجديدة للنظام؟
شكّل النظام الخليفي، خلال السنوات الأخيرة، نمطًا محدّدًا في بناء العلاقات الدبلوماسيّة الخارجيّة، وذلك بوضع هذه العلاقات في سياق واحدٍ مع احتياجاته الأمنيّة، وتحديدًا الاحتياجات التي تمكّنه من مواجهة التحدّي الداخلي المتمثل في الاحتجاج الشعبيّ. في هذا الإطار، يُمكن النظر إلى الصورة التي يحرص آل خليفة علي إظهارها من خلال وكالة الأنباء الرسميّة «بنا»، إذ تحرص على إبراز أخبار استقبال الوفود الأجنبيّة، واللقاءات التي يعقدها مسؤولون خليفيّون مع السفراء أو الزوّار الأجانب، فضلًا عن تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات ذات الطابع الإقليميّ والدوليّ، من قبيل منتدى «مؤتمر المنامة» السنويّ. كلّ ذلك يصبّ في تحقيق هدف محدّد، وهو تضخيم الصورة الوهميّة للنظام، والإيحاء أنّ آل خليفة حاضرون في قلب المستجدّات الدوليّة، وأنّهم على قائمة زيارات الرؤساء أو المسؤولون «الكبار» للمنطقة. وغير بعيد عن ذلك أيضًا، يمكن إدراج السلوك التفخيميّ الذي يقوم النظام في مجلس الأمن الدوليّ – بعد حصوله على كرسي العضويّة غير الدائمة – في هذا الإطار من الأوهام «الدوليّة» لآل خليفة، وكما يظهر مع تحويل مجلس الأمن إلى منصّة مضافة لأصوات الأنظمة المتحالفة مع آل خليفة، وتسجيل النظام حضوره في جلسات المجلس وبما يلبّي سياسة الالتحاق من جهة، والتضخيم الوهميّ من جهة أخرى. وكلّ ذلك عبر إقحام النظام نفسَه – من خلال كلمات مندوبه في المجلس – في خضم الملفّات الحسّاسة التي تشغل دول العالم.
إلى أيّ مدى تمنح زيارة الرئيس الفرنسيّ للبحرين غطاء سياسيًّا لآل خليفة؟ هل يمكن إخفاء أزمات النظام الخليفيّ بمثل هذه الزيارات؟
من منظور الدول الغربيّة – وريثة حقبة الاستعمار القديم – فإنّ المصالح التجاريّة تأتي أوّلًا، وبالتالي فإنّ تنظيم علاقاتها الدبلوماسيّة إزاء الدول الأخرى لا يتحرّك وفق معايير حقوق الإنسان والقيم الديمقراطيّة. ويمكن ملاحظة أنّ زيارة ماكرون للبحرين والخليج ترافقت مع مواقف حقوقيّة دوليّة واسعة النطاق، دعت الرئيس الفرنسي إلى إثارة ملفّ حقوق الإنسان مع آل خليفة، كما رفعت إليه منظّمات حقوقيّة رسائل قدّمت فيها إطلالة عامّة على الانتهاكات الممنهجة التي يتعرّض لها المواطنون في البحرين، خصوصًا في الأشهر الأخيرة، والتي تركّزت على الاضطهاد الدينيّ غير المسبوق، إلى حدود التطهير والإبادة بحقّ المواطنين الأصليّين. لكنّ الرئيس الفرنسيّ، بطبيعة الحال، لم يُعرف عنه الاستقامة السياسيّة التي تجعله مختلفًا عن السياق الغربيّ الاستعماريّ، إذ لم يأخذ الدعوات الحقوقيّة بالحسبان، وكرّس الزيارة لصالح تبادل المصالح مع الخليفيّين، خصوصًا في ظلّ الاحتجاجات الجارية في فرنسا ودول أوروبيّة أخرى.
وتجلّى ذلك بوضوح مع المخرجات الأساسيّة لزيارة ماكرون للبحرين، إذ تركّزت المباحثات الثنائيّة على تطوير التعاون في مجالات الطاقة (الطاقة النوويّة، الديزل) والاقتصاد (الصناعة، الدفاع)، كما جرى تغليف هذه الشراكات بتبادل التلميع السياسيّ والدعائيّ، من قبيل الاتفاق على الاصطفاف ضدّ حركة أنصار الله في اليمن، وتقليد ماكرون وسام عيسى بن سلمان آل خليفة من الدرجة الممتازة!
رغم المواقف الحقوقيّة الدوليّة التي طالبت ماكرون بطرح الملفّ الحقوقيّ، لماذا تُغلّب فرنسا المصالح التجاريّة على الالتزام بملفّ حقوق الإنسان؟
لا يمكن الغفلة عن السياق المتوتّر الذي تأتي فيه زيارة ماكرون للبحرين والخليج، سواء لجهة ما يجري في الخليج ومضيق هرمز نتيجة تداعيات العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على إيران، أم لجهة الوضع في اليمن والحرب السعوديّة الراهنة. إضافة إلى ذلك، وبسبب كلّ هذه الأوضاع المتوترة؛ فإنّ الزيارة جاءت أيضًا في ظلّ تنافس إقليميّ ودوليّ محتدم على أسواق الطاقة، وتوسيع آفاق الاستثمار في البني التحتيّة في الخليج، وهي البنى التي تعرّضت لدمار واسع خلال الحرب العدوانيّة على إيران، إضافة إلى الآثار السلبيّة المترتّبة على الوضع الجديد في مضيق هرمز. لذلك لم يكن مفاجئًا أن يتملّص ماكرون من ملفّ حقوق الإنسان، وأن يتعرّض لانتقادات حادة من منظّمات محليّة ودوليّة (مثل هيومن رايتس ووتش، ومعهد البحرين للحريّات والديمقراطيّة «بيرد»)، بسبب ما تعدّه سياسة «الكيل بمكيالين»، وتقديم المصالح التجاريّة على الالتزامات الأخلاقيّة والدوليّة بدعم الحريّات والدفاع عن معتقلي الرأي. فهناك – أوّلًا وقبل أيّ شيء آخر – نفاق بنيويّ راسخ في الدول التي ورثت حقبة الاستعمار القديم، كما أنّها تقف وراء صناعة الأزمات والأنظمة العميلة التي تولّت – بعد مرحلة الاستعمار القديم – مهمّة الحفاظ على مصالح القوى الكبرى في بلداننا.
هل يمثّل الحضور الفرنسيّ في البحرين استجابة لحاجة أمنيّة استراتيجيّة أم انعكاسًا لشراكة قائمة على الصفقات الأمنيّة؟
رغم كون النظام الخليفيّ الشريك الاقتصاديّ الأصغر لفرنسا خليجيًّا، فهو يكتسي أهمّية خاصّة بالنظر إلى موقع البحرين الجغرافيّ الاستراتيجيّ، وقربها من مضيق هرمز وممرّات الطاقة الحيويّة، إلى جانب وجود القواعد العسكريّة الغربيّة في البلاد. ومن الممكن التأكيد هنا أنّ التعاون الأمنيّ والعسكريّ بين آل خليفة وفرنسا يتحرّك في سياق علاقات جديدة تبلورت خلال أكثر من زيارة قام بها الطاغية حمد وغيره لباريس (ومنها قمّة الطاغية مع ماكرون في فبراير 2026)، والتي نتجت عنها اتفاقات وصفقات تسليح وتنسيق أمنيّ. مع الإشارة إلى أنّ الاتفاقيّة التي وُقّعت في فبراير 2026 شكّلت القاعدة الأوسع لهذا المسار، لأنّها أفرزت اتفاقيّة تعاون دفاعي مشترك، تولّى توقيعها من جانب آل خليفة «ناصر نجل الطاغية حمد»، وكان أبرز محاور هذه الاتفاقيّة التزام فرنسا بتطوير القدرات الدفاعيّة للنظام الخليفيّ، أي عدم الاكتفاء بمبيعات الأسلحة التقليديّة، وكذلك تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحريّ، وتبادل التكنولوجيا الأمنيّة، وصولًا إلى شراكات أمنيّة موسّعة تشمل مجالات الطاقة.



















