بدايةً، من الأرجح اعتبار خطابات الطاغية حمد – وتحديدًا بعد العدوان على إيران – مرسومة بصورة منظّمة، وبعناية مباشرة من «الديوان الملكيّ». خلال الأشهر الماضية، كان ثمّة تأرجح لافت في زيارات الطاغية على مستوى دول الخليج، وبرز تدريجيًّا تبلّد في العلاقة بين آل خليفة وآل سعود، بالتوازي مع التنافر البارز بين السعوديّين والإماراتيّين الذي عبّرت عنه – بوضوح – الهجمات المتبادلة بين الطرفين، خصوصًا تلك التي تولّتها الجيوش الإلكترونيّة. وسط هذه الهجمات، اختار آل خليفة أن يضعوا أقدامهم إلى جانب «محمّد بن زايد»، لكنّهم في الوقت نفسه لم يجرؤوا على إزعاج «محمّد بن سلمان»؛ فما الذي تغيّر في الأشهر القليلة الماضية؟
لماذا شنّ الذباب الإلكترونيّ السعوديّ حملة على الطاغية حمد بعد شكره الإمارات؟
شنّ الذباب الإلكترونيّ السعوديّ حملة موجّهة على الطاغية حمد فور انتشار مقطع كلمته الذي خصّ فيها الإمارات ومحمد بن زايد بالشكر، وغير خافٍ أنّ الأجهزة السعوديّة لديها خبرة عريقة في شنّ الحروب الإلكترونيّة المنظّمة، وتوجيه الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعيّ بشكل مباشر لتأدية أغراض محدّدة، ولكن حدّة الهجمات ضدّ الطاغية جاءت بعد أن أطلق النظام الإماراتيّ بدوره جيوشه الإلكترونيّة ومرتزقته لترويج شكر الطاغية حمد واستعماله للنكاية من آل سعود. ولأنّ النيران لم تهدأ أصلًا بين الإمارتيّين والسعوديّين؛ فقد طال الشرر آل خليفة في هذه المواجهة الإلكترونيّة الجديدة، وحرص السعوديّون هذه المرّة على ابتكار وسائل مختلفة في الهجوم على حمد ونظامه، من قبيل التلويح بإغلاق الجسر الرابط بين البحرين والسعوديّة، وكذلك التلويح بوقف الدعم الماليّ وغير الماليّ السعوديّ، وبما يلقي آل خليفة في مصير مجهول.
هل تعكس الهجمات الإلكترونيّة بين آل سعود وآل نهيان التنافر الوجوديّ بين أنظمة الخليج؟ وكيف يرتبط ذلك بمصير آل خليفة؟
في حين لا ينظر المراقب بجديّة إلى هذه الهجمات المتبادلة، ويعدّها مجرّد تراشق جانبيّ بين الأتباع، ينبغي أن نتذكّر طبيعة الأنظمة في الخليج، وطابعها الأمنيّ والقبليّ القاتم، ومدى سطوتها على وسائل التواصل والآراء المنشورة في الإعلام الإلكترونيّ والتقليديّ؛ لندرك أنّ هذه الهجمات ليست عفويّة، بل هي انعكاس مباشر للتصادم الحقيقيّ بين هذه الأنظمة. ولكن ما يجدر الوقوف عنده أكثر، هو أنّ الهجمات المتبادلة؛ يكشف – مرّة أخرى – أنّ آل خليفة هم ساحة خلفيّة لهذا التصادم الخليجيّ، وخصوصًا بين السعوديّة والإمارات، بما يعنيه ذلك من أنّ الكيان الخليفيّ سيبقى معلقًا بين هذين القطبين المتنافرين، وأنّ الغموض سيظلّ يلاحقه ما دام مرتهنًا لنتائج هذا التنافر وتفجّره بين وقت وآخر.
لماذا انعكس الخلاف الإماراتيّ- السعوديّ على سلوك آل خليفة السياسيّ والإعلاميّ؟ وكيف أثر ذلك في تصاعد التباين الخليجيّ عمومًا؟
كان بعضهم يتوقّع أنّ الحرب السعوديّة على اليمن سوف تبرّد من حدّة الخلاف بين آل سعود وآل نهيان، وذلك بالنظر إلى أنّ الإماراتيّين اختاروا الانسحاب الهادئ من اليمن بعد التدخّل العسكري السعوديّ العام الماضي في جنوب اليمن، ومن ثمّ طردهم من الجنوب. لكنّ الوقائع تشير إلى أنّ الإماراتيّين كانوا يجمعون أوراقهم من جديد، وانتظروا الأوقات التي يرونها مناسبة لبدء هجمات جديدة على النظام السعوديّ. ورغم أنّ مرتزقة الإمارات – من الإعلاميّين والمدوّنين – لم يكفّوا عن تمجيد السياسة الإماراتية، وتأليه محمد بن زايد، واعتماد الهمز واللمز ضدّ السعوديّة وأميرها المريض «سلمان»؛ كان آل نهيان على أهبّة الاستعداد للدخول في مواجهة جديدة مع السعوديّة، وفضّلوا إحماء ذلك بطريقتهم الخاصّة في السخرية منها، واتهامها بالضعف والجبن، خصوصًا بعد العدوان على إيران، واضطرار آل سعود إلى اعتماد سياسة حذرة تجاه الجمهوريّة، وهي السياسة التي وصفها الإماراتيّون بأنّها انبطاح أمام إيران، في مقابل «قوّة» الإمارات المزعومة، وشدّتهم في إبراز العداوة ضدّ إيران وجبهة المقاومة، والذي تُرجم بوقوف الإمارات الكامل مع الكيان الصهيونيّ، واستقبال المجرم نتنياهو في أبو ظبي، أكثر من مرّة.
وفي النتيجة، وفي سياق الحرب الجارية على اليمن، أعادت الإمارات السخرية والنكاية ذاتها في وجه السعوديّة، مع إخفاء هذا السلوك تحت ستار البيانات البروتوكوليّة المؤيّدة لحقّ السعوديّة في الدفاع عن نفسها.
يشكّل المشهد السياسيّ الخليجيّ، في أعقاب العدوان الأمريكيّ- الصهيونيّ على إيران، نقطة تحوّل مفصليّة في تاريخ الإقليم. وفي قلب هذا المشهد المركّب، يبرز نظام آل خليفة على أنّه أكثر أنظمة الخليج عرضة للاهتزاز والتأثر الاستراتيجي جرّاء مآلات هذا المشهد. هناك أسباب كثيرة لهذا الخطر الوجوديّ، بما فيها الأسباب الداخليّة في البحرين، وفقدان آل خليفة أيّ شرعيّة شعبيّة ودستوريّة. لكنّ التصادم الإماراتيّ- السعوديّ المتزايد، هو سبب جيوسياسيّ فعّال في إظهار المزيد من تشقّقات النظام الخليفيّ، وهشاشته، وافتقاده للأسس التي تقوم عليها الأنظمة الطبيعيّة في العالم. فغياب الشرعيّة الشعبيّة في الداخل حوّل آل خليفة إلى تابعين بالمطلق إلى الخارج، ولأنّ هذا الخارج – الإقليميّ والدوليّ – يبحث عن مصالحه الخاصّة، فإنّه لن ينشغل بأولويّة الخليفيّين وأجندتهم في الحفاظ على عرشهم وحكمهم، خصوصًا أنّهم ضعفاء في الداخل، وليس لديهم من قوّة اقتصاديّة مستقلّة بعد أن تسبّبوا في رهن كلّ مقدرات البلاد إلى عصابة من الفاسدين والأجانب.
هل يفلح آل خليفة في إدارة العلاقة المزدوجة بين السعوديّة والإمارات؟ وكيف سيخرجون من دائرة الانتحار التي تتسع يومًا بعد آخر؟
يقع الطاغية حمد في حيرة حقيقيّة بين الإمارات والسعوديّة، ولا تأتي ميوله الأقوى إلى أبو ظبي فقط بسبب الإنعاش الماليّ الإماراتيّ، أو أواصر القرابة العائليّة (خاصة من جانب نجل الطاغية ناصر بآل مكتوم)، ولكن يوجد عنصر آخر له أثره في هذا الميل نحو الإمارات، وهو العنصر «الإسرائيليّ»، والتحاق آل خليفة بالحلف الإماراتيّ- الصهيونيّ، وبما يتجاوز اتفاقيّات التطبيع. ومنذ البداية، كان هذا الالتحاق محلّ امتعاض من آل سعود، ليس لعدم رغبتهم في التطبيع أو مدّ الأيدي إلى الصهاينة، ولكن لأنّ السعوديّين يريدون التطبيع وفق توقيتهم الخاصّ، وليس بحسب التوقيت الإماراتيّ. وبشكل أو بآخر، فإنّ آل خليفة لا يمكن أن يجمعوا بين «زوجين متخاصمين»، لأنّ طبيعة «الشقيقة الكبرى» (السعوديّة) تختلف عن طبيعة «الحليف الحيويّ» (الإمارات). فالأولى تلعب بالعمق الاستراتيجيّ مع نظام آل خليفة، والآخر يبتزّ آل خليفة بإغراء المال وجاذبيّة «الحلف الإسرائيلي». وعليه، فإنّ آل خليفة أمام انتحارين: انتحار حقيقيّ عاجل يمكن أن تقوم به السعودية بإغلاق الجسر، وتجميد عمل «قوّات درع الجزيرة» في المنامة، وانتحار استراتيجيّ خاطف يمكن أن يأتي من الإمارات في حال سحبت أموالها واستثماراتها ودفاعاتها العسكريّة، وتركت آل خليفة لمصيرهم الأسود وسط خطوط النار التي لم تخمد بعد بسبب العدوان على إيران، و«الثأر» الإيرانيّ المؤجّل جرّاء تواطؤ آل خليفة في شنّ العدوان عليها.




















