ينشغل آل خليفة في الآونة الأخيرة بالعمل في خطوط متوازية داخل البحرين وخارجها. الخطّ الأساسيّ في الداخل يتمثّل في المضي قدمًا نحو تطويق الحاضنة الشعبيّة للمعارضة، أو بنحو أدقّ، شنّ الحرب على المواطنين الأصليّين. والجديد في هذا الجانب، أنّ الخليفيّين تعدّوا «الخطوط الحمر» السابقة، وأصبحوا يخوضون هذه المواجهة بصورة مكشوفة، أي بتصويب المواجهة نحو المعتقدات والشعائر الدينيّة لأغلبيّة المواطنين الشيعة في البلاد. هذا الخطّ كان يديره الطاغية حمد – قبل الحرب على إيران– بحذر محسوب، وقد كان هذا الحذر شديدًا قبل 2011، ولكنّه بدأ يقلّ تدريجيًّا، إلى أن سقط القناع كلّه بعد الحرب الأخيرة على إيران. إنّ هذا السقوط والانكشاف يفتح – مباشرة – على الخطّ الآخر الموازي لسياسات آل خليفة، وهو العلاقة مع الكيان الصهيونيّ.
هل علاقة آل خليفة بالصهاينة ترتبط باتفاقات التطبيع والصراع الإقليمي أم أنّها تأسّست لأسباب داخليّة نتيجة تآكل العلاقة مع الشعب؟
إنّ العلاقة بين آل خليفة والكيان الصهيونيّ ليست –فقط– محصورة في اتفاقات التطبيع (سبتمبر 2020)، أو أنّها تتحرّك –حصرًا- وفق المتغيّرات المرتبطة بالوضع الإقليميّ. إنّ الأهمّ من ذلك، كما نعتقد، هو أنّ هويّة هذه العلاقة وتطوّراتها تتصل بمسار داخل البحرين وليس خارجها، وتحديدًا لناحية تآكل العلاقة بين آل خليفة والشعب –بسبب الاستبداد وملفّات القمع والحكم القبلي الفاسد– وبلوغ هذا التآكل درجات متقدّمة من التناقض بين الجانبين، وإلى الحدّ الذي دفع آل خليفة إلى سياسة بناء علاقات تعويضيّة خارجيّة، تشمل أوّلًا البريطانيّين لكونهم الراعي الأوّل تاريخيًّا لهم، ومن ثمّ الأمريكيّين بالنظر إلى قوّتهم العسكريّة وهيمنتهم الواسعة، وصولًا إلى الحلف مع الصهاينة.
أين تقع العلاقة بين آل خليقة والصهاينة في قائمة العلاقات والاتفاقات التاريخيّة والاستراتيجيّة مع البريطانيّين والأمريكيّين؟
بالنظر إلى الحاجات الأساسيّة التي يبحث عنها الخليفيّون؛ فإنّ علاقتهم مع الصهاينة تحظى بأهمّيةٍ قصوى لهم، لا تقلّ عن أهمّية علاقتهم مع البريطانيّين والأمريكيّين. فإذا أمكن القول إنّ ما تُسمّى اتفاقيّة التكامل الأمنيّ والازدهار الشامل (CIPA) هي مفتاح العلاقة مع واشنطن ولندن وليس نهايتها؛ فإنّ «اتفاقيّات أبراهام» التطبيعيّة لا تعدو أن تكون مفتاح للعلاقة مع الكيان الصهيونيّ، ومجرّد البداية وليس الخاتمة. كذلك، يمكن القول إنّ اتفاقات العلاقة مع الأمريكيّين والبريطانيّين تصبّ – في الغالب – في الاتجاه العسكريّ، في حين أنّ العلاقة مع الصهاينة تتركّز في الجانب الأمنيّ والاستخباراتيّ. بمعنى آخر، فإنّ حماية الحدود الخارجيّة، واستقرار كرسي آل خليفة؛ تتوّلاه الاتفاقات والمعاهدات مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فيما الخطط الموجّهة للسيطرة على المعارضة والحراك الشعبيّ؛ فتقع على عاتق الشراكات القائمة بين آل خليفة والصهاينة.
كيف أدّت المفاصلة بين آل خليفة وشعب البحرين إلى بناء سياسات أمنيّة جديدة مستقاة من التجربة الصهيونيّة؟
لا تتأسّس الرؤية السابقة – فقط – بناء على ما كشفته تقارير حقوقيّة من استعمال الأجهزة الخليفيّة لتقنيّات تجسّس «إسرائيليّة»، كما لا يقتصر الأمر على التعاون الأمنيّ بمعناه المحدود. فهذه العلاقة بين الجانبين جاءت، كما ذكرنا أعلاه، بسبب انهيار علاقة آل خليفة بالشعب، وارتفاع الحواجز بينهما إلى مستوى المفاصلة والعداء. ومن المعروف أنّ أيّ نظام يبلغ هذا المستوى في علاقته مع الشعب؛ فإنّه يندفع لترتيب رؤيته الأمنيّة، وحماية حكمه؛ انطلاقًا من استشعاره المطلق بأنّ وجود هذا الشعب واستمراره على مواقفه (أي هوّيته وقيمه العليا)؛ يشكّل تحدّيًا حقيقيًّا، وأنّ المطلوب العمل – بكلّ السبل – على تقليص هذا الوجود، والسعي إلى إخضاعه نفسيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. هذه الوظائف أحرز فيها الصهاينة تقدّمًا على نطاق واسع منذ نكبة 48 حتّى اليوم، وأصبحت التجربة الصهيونيّة في الإبادة الثقافيّة، وإدارة القمع والاحتلال، والاقتلاع السكانيّ، والإخضاع النفسيّ، وبناء السجون وأسلاك الحصار؛ نموذجًا متكاملًا في نظر الأنظمة التي تشبهه، وعلى رأسها نظام آل خليفة في البحرين.
لماذا تزيد المساحة العلنيّة في العلاقة بين آل خليفة والصهاينة كلّما تجاوز الخليفيّون الخطوط الحمر في حربهم على الشعب؟
كما هو معروف، فإنّ مسار آل خليفة في تعميق علاقاتهم العسكريّة مع البريطانيّين والأمريكيّين يمضي بلا حدود، كما نرى في الزيارات واللقاءات عالية المستوى التي يقوم بها قائد القيادة الأمريكيّة المركزية «السنتكوم»، والقادة العسكريّون البريطانيّون – وآخرها زيارة قائد القوات البريّة بالجيش البريطانيّ.
ولكنّ المجرى الأعمق في العلاقة هو الذي يجري مع الصهاينة، في السرّ والعلن. وما يجدر الانتباه إليه هنا هو أنّ مستوى العلاقة السريّة يتقلّص مع الوقت، لتظهر على السطح يومًا بعد آخر وبكل أشكالها ومستوياتها التي تتجاوز حدود التطبيع الرسميّ. وهذا الأمر يعود إلى ارتباط هذا المسار–عميقًا– بمسار تجاوز آل خليفة المحرّمات في حربهم على الشعب، وتحديدًا على شيعة البحرين وعلمائهم وعقائدهم. أي أنّ شعب البحرين (وجودًا وهويّة) يعدّ خطرًا مشتركًا يجمع آل خليفة والصهاينة، وكما أنّ أمن الخليفيّين يتزعزع رويدًا رويدًا نتيجة فقدانهم الشرعيّة الشعبيّة والدستوريّة؛ فإنّ مشروع الصهاينة في المنطقة والبحرين يواجه الزعزعة نفسها بسبب الرفض الشعبيّ وما يحمله الناس من قيم وخيارات معادية للكيان. وهنا نفهم كيف أنّ حرب الهويّة في البحرين ترتبط بالمشروع الصهيونيّ والتطبيع معه، فبقدر ما أنّ تلك الحرب حربٌ خليفيّة، فإنّها حربٌ صهيونيّة بامتياز أيضًا.






















