وجّه رئيس مجلس الشورى في ائتلاف شباب ثورة 14 فبراير، في 18 فبراير/ شباط 2026، خطابه السنويّ بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك للعام 1447هـ، برسالة متعدّدة الأبعاد جمعت الروحانيّة الدينيّة بالوعي السياسيّ، واستحضار قيم المقاومة القرآنيّة برفض الوجود العسكريّ الأجنبيّ في البحرين.
يأتي هذا الخطاب في توقيت بالغ الحساسيّة، تشهد فيه المنطقة تصعيدًا خطرًا يهدّد بإشعال حرب إقليميّة شاملة، ما يضفي على كلماته دلالات تتجاوز الموسم الدينيّ إلى استشراف المخاطر الوطنيّة والتحشيد لمواجهتها.
أوّلًا: التأطير الدينيّ كمدخل للهويّة والمقاومة
افتتح رئيس مجلس الشورى خطابه بتأكيد مكانة شهر رمضان بوصفه زمنًا للقرآن وتهذيب النفوس، ثمّ انتقل إلى تحويل هذه المناسبة لمنطلق لترسيخ الهويّة. فالتركيز على المجالس الرمضانيّة التي تُعنى بالقرآن وسيرة أهل البيت «عليهم السلام» يأتي في سياق تثبيت لثقافة مجتمعيّة تُحيي القيم وتُحصّن الشباب من «الأفكار الغربيّة المنحرفة». هذا الربط بين الشعائر والمقاومة الثقافيّة يمثّل استراتيجيّة واضحة: الحفاظ على الوعي الجماعيّ في مواجهة التغريب والتبعيّة.
ثانيًا: إعادة تعريف المقاومة في المنظور القرآنيّ
أبرز ما حملته الفقرة الثالثة من الخطاب هو التوسّع في مفهوم المقاومة ليشمل أبعادًا أخلاقيّة وسلوكيّة، فالمقاومة لا تنحصر في حمل السلاح، بل تبدأ من مقاومة الهوى والشهوة (كما في الصيام)، وتتعدّاها إلى مقاومة الظلم بالكلمة والثبات على المبادئ، وذلك استشهادًا بالآية القرآنيّة {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}، وهو أمر يؤسّس لرؤية شموليّة: الجهاد يكون بالقرآن (به) أي بالحجّة والمنهج، قبل أن يكون بأيّ وسيلة أخرى.
هذا الطرح يتّسق مع طبيعة ثورة 14 فبراير السلميّة، التي جعلت من الكلمة والموقف أداتَين رئيستَين في مواجهة السلطة القائمة، كما أنّ تأكيد سير الأنبياء والأئمّة «عليهم السلام» على مقاومة الطغيان يمنح هذا المفهوم شرعيّة تاريخيّة ودينيّة، ويحوّل الصبر الجماعيّ إلى فعل مقاوم بامتياز.
ثالثًا: تعزيز الروح الاجتماعية كأساس للتماسك
شدّد الخطاب في الفقرة الرابعة على قيم التكافل والمسؤوليّة الاجتماعيّة، وهي دعوة غير مباشرة لرأب الصدع وتعزيز الوحدة الداخليّة في زمن تتكالب فيه الضغوط، الدعوة إلى موائد الإفطار الجماعيّة والمشاركة في المجالس لا عملًا خيريًّا فحسب، بل هي إعادة إنتاج للنسيج الاجتماعيّ الذي تتعرّض لبناته للاهتزاز بسبب السياسات الطائفيّة والقمعيّة. المجتمع المتماسك هو وحده القادر على الصمود في وجه المشاريع الخارجيّة.
رابعًا: الموقف من «القاعدة الأمريكيّة».. رسالة سيادة وتحذير من خطر وجوديّ
الفقرة الخامسة كانت الأكثر وضوحًا وحضورًا سياسيًّا، حيث جدّد رئيس مجلس الشورى رفضه القاطع لوجود القاعدة الأمريكيّة على الأراضي البحرينيّة، معتبرًا إيّاها انتهاكًا للسيادة وخطرًا أمنيًّا يضع البحرين في دائرة الاستهداف المباشر. هذا التحذير يأتي في سياق إقليميّ مشحون بتهديدات أمريكيّة متكررة لإيران، واحتمال نشوب حرب واسعة تجعل من قاعدة الأسطول الخامس في الجفير هدفًا عسكريًّا رئيسًا.
الخطاب هنا ينزع عن الوجود الأمريكيّ صفة «الحليف» ويكشف وجهه الحقيقي كورقة ضغط بيد واشنطن، تجرّ البحرين إلى صراعات لا شأن لها بها. والدعوة إلى مقاومة هذا الوجود «بما يسعُهُ من إمكانات» تفتح الباب أمام أشكال متعدّدة من الرفض الشعبيّ، في ظلّ عجز السلطة الحاكمة عن حماية البلاد.
خامسًا: دلالات التوقيت والإحالة إلى الصراع الإقليميّ
رغم أنّ الخطاب لم يذكر الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران بالاسم، فإنّ تزامن إحياء «اليوم الوطنيّ لطرد القاعدة الأمريكيّة من البحرين» مع التصعيد الأمريكيّ عليها يجعل الموقف البحرينيّ الشعبيّ منحازًا بشكل موضوعيّ إلى طهران، فرفض القواعد الأمريكيّة يعني رفضًا ضمنيًّا لأدوات الضغط التي تستهدف إيران، كما أنّ تأكيد أنّ «أمن البحرين الحقيقي يتحقق بالعدالة والتعايش السلمي مع محيطها» هو إشارة واضحة إلى ضرورة بناء علاقات حسن جوار تقوم على المصالح المشتركة، لا على المحاور العدائيّة.
وبذلك، يضع ائتلاف 14 فبراير نفسه في خندق واحد مع كلّ القوى الرافضة للهيمنة الأمريكيّة في المنطقة، وفي مقدّمتها إيران.
الخلاصة: خطاب يتجاوز الموسم إلى الاستراتيجيّة
يمكن قراءة خطاب رئيس مجلس الشورى في ائتلاف 14 فبراير كوثيقة سياسيّة متكاملة، تستثمر المناسبة الدينيّة لتمرير رسائل وطنيّة وإقليميّة كبرى، فالخطاب من جهة يؤسّس لوعي مقاوم قائم على القرآن والأخلاق، ومن جهة أخرى يحذّر من الخروقات الأمنيّة التي تسبّبها القواعد الأمريكيّة، ويدعو إلى التحرّك الشعبيّ لحماية البلاد.
وفي زمن تتّسع فيه رقعة التوتر، يبقى هذا الخطاب جرس إنذار ونبراس توجيه لأبناء الشعب البحرينيّ بأنّ السيادة الحقيقيّة تبدأ بطرد القاعدة الأمريكيّة، والاستعداد لمواجهة خطر وشيك قد يطال الجميع.


















