خِطابُ رئيسِ مجلسِ الشّورى في ائتلافِ شبابِ ثورةِ 14 فبراير السّنويُّ بمناسبةِ شهرِ رمضانَ المباركِ
وجّهَ رئيسُ مجلسِ الشّورى في ائتلافِ شبابِ ثورةِ 14 فبراير خطابَهُ السّنويَّ بمناسبةِ شهرِ رمضانَ المباركِ للعام 1447هـ، هذا نصُّهُ:
بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وعلى وصيّه وخليفته أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلى الأوصياء من بعده، ولا سيّما خليفةَ الله في الأرضينَ الإمامَ المهديّ صاحبَ العصر والزمان «عجّل الله تعالى فرجه الشريف».
شهرُ رمضانَ المباركُ من أعظمِ شهورِ السنةِ، هو شهرٌ اختاره اللهُ تعالى ليكونَ زمانًا لنزولِ القرآنِ الكريم، وزمانًا لتهذيبِ النفوسِ والتزوّدِ بالتقوى والعملِ الصالح. وهو يأتي مصحوبًا بالخيرِ والبركةِ، وفيه يشعرُ المسلمُ بروحانيّةٍ خاصّةٍ لا يجدُها في غيرِهِ من الشهور، حيث تزدادُ قُرباه من اللهِ «عزَّ وجلَّ»، وفيه فرصةٌ عظيمةٌ لمراجعةِ الإنسانِ نفسَهُ وأعمالَه، وتصحيحِ أخطائِهِ، وفتحِ صفحةٍ جديدةٍ من التوبةِ مليئةٍ بالإيمان. وفي هذا الشهرِ الكريمِ تتجلّى القِيمُ الإنسانيّةُ كالصبرِ، والتسامحِ، والعطاءِ، ومنه نستلهمُ دروسًا وعبرًا يمكنُ من خلال فهمِنا لها تأكيدُ النقاطِ الآتيةِ:
أوّلًا: يرتبطُ شهرُ رمضانَ ارتباطًا وثيقًا بالقرآنِ الكريمِ الذي نزل فيه ليُخرِجَ الناسَ من الظُّلماتِ إلى النُّور. إنّ هويّتَنا وثقافَتَنا مستمدّتانِ من القرآنِ الكريمِ فهو الركيزةُ التي تحمي مجتمعَنَا من الضياعِ والانحرافِ. لذا ينبغي أن نحرصَ في هذا الشهرِ المباركِ على قراءتِهِ وتدبّرِ معانيه، أينما أُتيحَ لنا ذلك: سواءٌ في البيوتِ أم المساجدِ أم غيرِها، ومن هنا نُحيّي بكلِّ فخرٍ واعتزازٍ المجالسَ الرمضانيّةَ التي تُقامُ في قُرانا وبلداتِنا، لأنّها مجالسٌ عامرةٌ بذكرِ الله تعالى، وتلاوةِ القرآن، وسيرةِ أهلِ البيتِ «عليهم السلام». هذه المجالسُ ليستْ تجمّعاتٍ عابرةً، وإنّما هي مدارسُ إيمانيّةُ تُربّي النُفوسُ، وتشدُّ القلوبَ إلى القيم، وتُبعدُنا عن الانجرافِ نحو الأفكارِ الغربيّةِ المُنحرفةِ. والحُضورُ فيها مشاركةٌ في حفظِ هويّتِنا القرآنيّةِ، وفُرصةٌ ثمينةٌ لنيلِ العلمِ، وتقويةِ الروابطِ بين أبناءِ المجتمعِ، وتوريثِ أبنائِنا هذا النهجَ المباركَ. فلْيحرصِ الجميعُ على إحياءِ ليالي شهرِ رمضانَ بالحضورِ والمشاركةِ دعمًا لهذه المجالسِ، وإكرامًا لمن يقيمُها ويخدمُها، سائلينَ الله تباركَ وتعالى أن يجعلَنَا وإيّاكُم من عُمّارِ بيوتِهِ، ومن المقبولينَ في هذا الشهرِ الفضيلِ.
ثانيًا: من الدروسِ المهمّةِ في شهرِ رمضانَ الكريمِ أنّه تمرينٌ للنفسِ على الالتزامِ بالنظامِ والانضباط، وهو أمرٌ بالغُ الأهميّةِ في حياةِ الإنسانِ، كما أنّه تدريبٌ لها على السيطرةِ على الشهواتِ والرغباتِ. يشعرُ الصائمُ في هذا الشهرِ بمعاناةِ الفقراءِ والمحتاجينَ والمحرومينَ، ما يُنمّي لديه الإحساسَ بالآخرينَ، كما أنّ الصيامَ يُسهمُ في تقويةِ الإرادةِ، فيُعزّزُ الرقابةَ الذّاتيّةَ، أضفْ إلى ذلك أنّه يساعدُ الإنسانَ على مراجعةِ تصرّفاتِهِ اليوميّةِ، فيبتعدُ عن السلوكيّاتِ السلبيّةِ مثل الغضبِ والكذبِ والكلامِ الجارح، وبذلك يكونُ الصيامُ وسيلةً لبناءِ شخصيّةٍ متوازنةٍ روحيًّا وأخلاقيًّا.
ثالثًا: كما ذكرْنا فإنّ شهرَ رمضانَ يرتبطُ بالقرآنِ الكريمِ ارتباطًا وثيقًا، لذا كان حريًّا أن نُعرّفَ مفهومَ المقاومةِ وفقَ الميزانِ القرآنيِّ: هي المقاومةُ التي لا تنحصرُ في السلاحِ، بل هي دفعُ الإنسانِ مَن يعتدي عليه أو يُفسدُهُ ظاهرًا وباطنًا، فلا يُطيعُ الباطلَ، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، ولا يتّبعِ الهوى، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. فكما يُقاوَمُ الظلمُ والعدوانُ بالثباتِ والجهادِ، تُقاوَمُ الشهوةُ والهوى بالصبرِ والصيامِ، وكلاهما من بابٍ واحدٍ، وهو دفعُ الفسادِ وإقامةُ العدلِ والحقِّ. فمفهومُ المقاومةِ أوسعُ من حملِ السلاحِ؛ والامتناعُ عن الأكلِ والشُّربِ في شهرِ رمضانَ مقاومةٌ للشهواتِ، والموقفُ العادلُ أمام سلطانٍ جائرٍ نوعٌ من المقاومةِ، كما أنّ الصبرَ على الأذى مع الثباتِ على القيمِ والمبادئِ يُعدُّ مقاومةً في المنظورِ القرآنيِّ. وهذا النهجُ في المقاومةِ ليس طارئًا، بل هو نهجٌ اتّبعهُ الأنبياءُ «عليهم السلام»، والرسولُ الأكرمُ محمّدٌ «صلّى الله عليه وآله» وأهلُ البيتِ «عليهم السلام» والصُّلحاءُ، حيث واجهوا الطُّغيانَ بالكلمةِ قبلَ السلاحِ، وبالأخلاقِ والإيمانِ قبلَ كلِّ شيء. فالمقاومةُ القرآنيّةُ هي فعلٌ داخليٌّ قبل أن تكونَ فعلًا خارجيًّا، ينحازُ فيه الإنسانُ للعدلِ ويرفضُ الظلمَ، ويدافعُ عن الحقِّ ولو بالكلمةِ، وبما يتناسبُ مع الظروف.
رابعًا: ممّا يُستفادُ منه في هذا الشهرِ الكريمِ تعزيزُ روحِ المسؤوليّةِ الاجتماعيّةِ بين أفرادِ المجتمع، فعلى الصائمِ أن يشعرَ بضرورةِ التعاونِ والتكافلِ ووجوبِ مساعدةِ الفقراءِ والمحتاجين. كما أنّ دعوةَ المؤمنينَ إلى موائدِ الإفطارِ الجماعيّةِ التي تجمعُ شرائحَ مختلفةً من المجتمعِ تُرسّخُ مبدأَ المساواةِ والإخاءِ، ويشعرُ الغنيُّ بمسؤوليّتِهِ تجاه الفقير، فيحرصُ على مدِّ يدِ العونِ له. إضافة إلى ذلك، فإنّ شهرَ رمضانَ يعلّمُنا أنّ المجتمعَ القويَّ هو الذي يتكاتفُ أفرادُهُ ويتعاونون في الشدائد، وبذلك يؤدّي هذا الشهرُ دورًا مهمًّا في بناءِ مجتمعٍ متماسكٍ ومتعاونٍ، تظهرُ فيه الرحمةُ والمحبّةُ.
خامسًا: نجدّدُ في أوّلِ يومِ جمعةٍ من شهرِ رمضانَ المباركِ موقفَنَا الثابتَ برفضِ وجودِ القاعدةِ الأمريكيّةِ على أرض البحرين، باعتبارها انتهاكًا للسيادةِ ومصدرًا لعدم الاستقرار، وخطرًا أمنيًّا وهدفًا عسكريًّا في أيّ صراعٍ إقليميٍّ، ما يجعلُ البحرينَ كلَّها في دائرةِ الخطرِ. أمّا أمنُ البحرينِ الحقيقيُّ فلا يتحقّقُ بوجودِ القواعدِ الأجنبيّةِ، بل بتحقيقِ العدالةِ بين أبنائِها، وإعطاءِ الشعبِ حقَّه في تقريرِ مصيرِهِ، والتعايشِ السلميِّ مع محيطِهِ. ومن هذا المنطلقِ نرفضُ وجودَها وندعو الشعبَ إلى مقاومةِ هذا الوجودِ بما يسعُهُ من إمكانات.
اللهم بلّغنا شهرّ رمضان، وأعنّا فيه على الصيامِ والقيامِ وغضِّ البصرِ وحفظِ اللسانِ، وتقبّلْ منّا القليلَ من العمل، واجعلْه خالصًا لوجهِك الكريم، اللهم ارزقْنا فيه صدقَ النيّةِ، وقوّةَ العزيمةِ، ونورَ البصيرةِ، ولا تجعلْنا فيه من الغافلينَ ولا من المحرومينَ، اللهم أعنّا على طاعتك في آناء ليلِه وأطراف نهارِه برحمتكّ يا أرحمّ الراحمينّ.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
رئيسُ مجلسِ الشّورى في ائتلافِ شبابِ ثورةِ 14 فبراير
الأربعاء 18 فبراير/ شباط 2026 م


















