وجّه سماحة الفقيه القائد آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم كلمة في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق ثورة الرابع عشر من فبراير، وذلك في مجلسه بمدينة قمّ المقدسة، وجاءت تحت عنوان «الإسلام والتغيير»، وهذا نصّها:
الإسلام أكبر حركة تغييرية مستمرة في الأرض؛ الحركات التغييرية كُثر، ولكن لا حركة في قوّتها وفي اندفاعتها الحكيمة وفي استمراريتها كالحركة الإسلامية.
والتغيير على أكثر من ضرب؛ هناك تغيير تقدمي، بمعنى أنه لا يصل إلى نقطة من القوة، إلى نقطة من الاستقامة، إلى نقطة من الوعي، إلى درجة من الكمال، إلا ويتجّه إلى نقطةٍ أوسع، أكبر، أكثر أهمية.
لا توجد نقطة معيّنة من الكمال تقف عندها الحركة التغييرية في الإسلام؛ هذا على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع الصغير والكبير والأمّة والعالم.
البيئة في تطوّر تحت رعاية الإسلام، الإنسان في تطوّر تحت رعاية الإسلام، كُلُّ الأرض تنتقل من درجةٍ في الحياة إلى درجةٍ أكبر تحت نظر الإسلام. يتوقف التطوّر، ينحرف التطوّر، ينقص التطوّر إذا ما غاب الإسلام.
تغييرٌ إيجابيٌّ تقدميٌّ يتحرك بالحياة دائماً وبإنسان الحياة إلى الأمام، ويأخذ به إلى صُعد.
هناك تغيير آخر؛ تغييرٌ يتجّه إلى الأسفل، تغييرٌ تراجعي، تغييرٌ ينتقل من درجة من الكمال، من درجةٍ تتصف بشيء من الكمال إلى درجة أدنى فأدنى فأدنى. التغيير المادي يتجه بالإنسان من حيث إنسانيته، من حيث معنويته، من حيث كماله إلى الأسفل، إلى الأدنى؛ فتغييران متقابلان: تغييرٌ صاعد في مستوى الإنسان، وتغييرٌ هابط بمستوى الإنسان.
هناك تغيير ثالث؛ تغيير عشوائي، مرّة تتجّه الحركة -توجد حركة- تصعد بالإنسان شيئاً ما، ثم تليها حركة تهبط به بدرجة ما؛ هذا تحرك عشوائي غير مدروس، لا يقوم على أسس ثابتة، هذا التحرك يصعد بك درجة، ينزل بك درجات، ينزل بك درجة، يصعد بك درجات. وليس هذا هو التغيير المطلوب والذي يؤمن به الإسلام؛ هو يؤمن بتغيير واحد، هو التغيير الذي يصعد بقابليات الإنسان، بإمكاناته، بفعليته، باستعداداته.
الحياة في نظر الإسلام، على مستوى الفرد، على مستوى الجماعة، هي مسافة محدودة عليها أن تحقق كمالاً عظيماً للإنسان ولأوضاع الإنسان في هذه الحياة قبل الآخرة. هذا عن العنوان وهو «الإسلام والتغيير».
آتي لنقاط:
كُلُّ انحراف عن الإسلام لا يعالج آثاره المدمرة للإنسانية والحياة إلا العودة إليه، أي العودة للإسلام. كُلُّ انحراف عن الإسلام لا بديل عن الإسلام في التخلص منه. كل انحراف يسببه أي مسلك، أي نظرية، أي رؤية، أي أطروحة غير إسلامية -وكل الأطروحات غير إسلامية تسبب انحرافات، وتسبب انتكاسات، وتسبب مصائب-، شيءٌ من هذا بعد أن يحدث لا تعالجه أي أطروحة أخرى غير الأطروحة الإسلامية، ولا أي رسالة غير رسالة الإسلام.
والإسلام لكلّ مساحة الحياة، ولكلّ أبعاد الإنسان، وللدنيا والآخرة؛ مهمّته في رفع المستوى يشمل كل ذلك. وطول غياب التربية الإسلامية وللحاكمية الإسلامية لا يعني التدهور الدائم في مستوى الحياة، في مستوى الإنسان؛ فالإنسان العملاق يتحوّل إلى قزم حين يستمر غياب التربية الإسلامية والحاكمية الإسلامية ويأخذ استمراره مدىً فيه طول، والخراب متزايد من يومٍ تجتمع فيه على البشرية كل الكوارث، في تحول الحياة إلى هلع ورعب، والخراب متزايد في ظل الانحراف؛ خراب الإنسانية وخراب الحياة الإنسانية يبقى متزايداً حتى يأتي يومٌ تجتمع فيه على البشرية كلّ الكوارث التي تحوّل الحياة إلى هلعٍ ورعبٍ وفزع، ويتمنى الكثير الخلاص من الحياة. ولا حياة فيها استقرار نفسي وأمل بلا دين ولا قيم، قيم من فطرة الإنسان وتربيةٍ من الدين القويم.
طال عمر الحكم الجاهلي في الأرض على مستوى البشرية والأمة، وفقدت الإنسانية بسبب ذلك وزنها، وخَسَّت أخلاق الكثير من الناس، وظهر الفساد في البر والبحر حتى أرهقت الحياة أهلها.
ومن هنا اشتدّت الحاجة لثورةٍ تغييريةٍ جديةٍ جذرية، لتعيد للإنسانية إيمانها وكرامتها ووزنها وروعتها. ولأنّه طال الفارق بين يوم الانحراف ويوم الثورة التي تعود بالإنسان إلى المسار الصحيح، فقد تعاظمت المصائب والأخطار، وكلّفت الثورة ما كلّفت من جهودٍ كبرى، وهذا بسبب الاستمرار الطويل للحكم الجاهلي في الأرض.
وفي جوٍّ يحكم الأمة فيه يأسٍ كبير واستبعاد سيطر على عقلية الكثيرين من الخاصة من الفقهاء والعلماء؛ هذا اليأس، يأس من إمكانية قيام حكم إسلامي صادقٍ قديرٍ يعطي صورة عن الحكم الإسلامي الأصيل قبل الظهور. كان هذا أمراً في حكم المستحيل في نظر كثير من أهل الإيمان وأهل التقوى والمهتمين بأمر الإسلام؛ فكان في النظر المسيطر على العقلية العامة وعلى عقلية الكثيرين من الخاصة، هو أنّ الحكم الإسلامي ضرورة وواجب وممكن، ولكن هذا الإمكان مربوط بيوم الظهور. ولا مجال للحكم الإسلامي الذي يعطي صورة عن الحكم الإسلامي الأصيل قبل يوم الظهور؛ كان هذا هو السائد، والأمة تربّت على ذلك، فلم تكن الشعوب تنتظر حكماً إسلامياً يُعطي صورة مقاربة، صورة محاكية، أو فيها شيءٌ من أصالة الحكم الإسلامي. ما كان هذا شيئاً مرتقباً عند الشعوب، وكيف يكون ذلك وقد يأس كبار القوم من إمكانية قيام حكم إسلامي يمتلك صدقية ويمتلك أصالة قبل يوم الظهور للإمام القائم «عليه السلام».
في هذا الجوّ القاتم البائس، هيأ الله للأمة قائداً من صنعه، من صنع دينه، من صنع فطرته الغنية بالهدى الحية، ومعرفة الله المعرفة المستعصية على الغفلة وعلى الضعف وعلى إهمال الواجب، ومعرفة الحق.
نعم، في جوٍّ يحكم الأمة فيه يأسٌ كبير واستبعاد سيطر على عقلية الكثيرين من الخاصة، من خاصة الفقهاء والعلماء لإمكانية قيام حكم إسلامي صادق قدير على إعطاء صورة عن الحكم الإسلامي الأصيل قبل الظهور. في هذا الجو القاتم البائس، هيأ الله للأمة قائداً؛ لم تعرف الأمة عملاقاً في القيادة الإسلامية الباهرة بعد قيادة المعصومين “عليهم السلام”، التي تمثل القمة في القيادة الإلهية العظمى في الأرض، والتي تمثل فخراً وشرفاً وكرامة لمقام الإنسانية عند الله العزيز الحكيم العليم الخبير الرحمن الرحيم.
فما أكفر وما ألأم من لم يُقدِّر نعم الله ورحمته، ومن أكبر هذا الإنكار والكفر بنعمة الله عز وجل، أنْ لم يُعرف مقام النبوة ولم يُعرف مقام الإمامة، وماذا يعني من كرامة للإنسان ومن رحمة بالإنسان من الله تبارك وتعالى ومن لطف به.
الله عز وجل الذي لم يرَ أهلاً لحكم الإنسان إلا من مستوى أن يكون نبيّاً أو إماماً معصوماً ووصياً لا يتعدى ولا يميل عن خط الرسالة.
لا أدري أنّه يتجّه الإنسان إلى المقارنة بين أن يترك الله عز وجل قيادة الإنسانية لترامب وأمثال ترامب، أو أن يصرّعلى أن تكون القيادة الإنسانية إلا لمحمد، إلا من مثل محمد «صلى الله عليه وآله»، وعلي «عليه السلام».
زِنْ قدرك في ظلّ أطروحة تقول بأن للفاسق، للجاني، للظالم، للساقط، للجاهل، ليزيد، أن يحكم الإنسانية ويسیطر عليها، ويقودها إلى كل فساد؛ وبين ألا يكون حاكم الإنسانية إلا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، ومن أمثال أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين “صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين”، ومن يأتي من بعدهم بالدرجة الثانية غنياً بالحكمة، غنياً بالعلم، غنياً بالرحمة، غنياً بالبصيرة، غنياً بالشجاعة، غنياً بالتدبير، بقدرة التدبير.
قارن وزنك عند الله بين أن يرضى لك ذلك الأمر، أو لا يرضى لك أن يكون حاكمك هو أعظم العظماء في الأرض وقتها.
ومع منحة القيادة الإسلامية النادرة الغنية بالصفات الكمالية المتعددة التي يتطلبها هذا المنصب العام لكي يؤدي مهامه الرسالية الكبرى المنقذة -طبعاً، ليست كل ذات تصلح في وزنها العقلي، العلمي، وفي حتى صحتها وفي خبرتها وشجاعتها وكمالاتها؛ ليس كل قيادة يمكن، ليس كل قوي في درجة ما يحق له ويصلح له وهو مهيأ لقيادة الأمة والعالم. المهيأ أشد الناس كمالاً، أكبر أهل زمنه علماً وفقهاً وشجاعة وما إلى ذلك- ومثل هذا الحاكم لا ينتخبه الناس. يعني لا يرجع تعيينه إلى حكم الناس، والناس عاجزون طبيعياً عن فهم أوزان بعضهم البعض الفهم الدقيق.
لا يملك الإنسان، يعني لو ترك للناس أن يميزوا بين عظيم وعظيم ما كان لهم ولقدرتهم أن تمتلك الرؤية الدقيقة التي تزن، التي تملك الوزن الدقيق لكل ذرة من ذرات هذا الإنسان؛ لعقله وزن، لنفسيته وزن، ولكل ما فيه من مادة ومعنى. فإذا لم يملك الإنسان القدرة على رؤية أي ذاتٍ-وهو لا يملك القدرة على رؤية ذاته الرؤية المطابقة تماماً لما يعلمه الله عز وجل من حاله وقدرته- أنا، أنت لا نملك الرؤية الدقيقة المعصومة عن ذواتنا، فضلاً عن أن أملك القدرة على معرفتك المعرفة الدقيقة وعلى معرفة أي شخص آخر. نحن نستقرب، نحن يمكن لنا الاشتباه، يحصل في حقنا الاشتباه؛ أساساً لا نستطيع أن ندّعي أن نعلم أوزان بعضنا أو وزن أنفسنا العلم الدقيق. فكيف لي أن أعيّن الإمام أو أن أختار الإمام الأصلح؟ وكيف لك أن تختار الإمام الأصلح؟
ولذلك تكفّل الله «عزّ وجلّ» بتعيين إمام العالم من نبي، أو وصي نبي، أو خليفةٍ من أقرب الناس إلى صفات النبي والوصي.
ومع منحة القيادة الإسلامية النادرة الغنية بالصفات الكمالية المتعددة التي يتطلبها هذا المنصب العام لكي يؤدي مهامه الرسالية الكبرى المنقذة، كان الالتفاف العظيم من الشعب الإيراني الغيور، الغني بقابلياته، المؤمن، الشجاع، المضحي؛ وكان بذله المفتوح في سبيل الله واسترجاع عزّته الإيمانية وعزّة الأمّة المؤمنة، رائدة الأمم ومشعل الهداية في الأرض، والمقيمة للحق والمشيدة لصرح العدل، وداعية الإسلام والأخوّة الإنسانية والرخاء والأمن والسلام العالمي.
كيف حصل لهذا الشعب الوعي للكمالات الساطعة في السيد الإمام، الذي رشحته حكمته لقيادة الأمة من جديد على خط الإسلام، والإصرار على أن لا حاكمية إلا لله، وللإسلام، وهي الحاكمية -حاكمية الله عز وجل-؟
الثورة الإسلامية المظفرة، والدولة الإيمانية الصادقة، والثقافة القرآنية الهادية، والشعب المضحي للإسلام، والمعروف بقابلياته الضخمة المتميزة وإبداعاته المثمرة، والروح الولائية والجهادية المتيقظة والمتوثبة من عطاء مدرسة الإمام الحسين “عليه السلام” الثورية ويوم عاشوراء وذكراه اللهابة؛ كلُّ ذلك يحمي هذا الشعب العظيم من الضعف والسذاجة والذل والخنوع، ويجعله قلعةً صلبة تحمي ذاته وهويته وأرضه ومكاسبه واستقلاليته وبناء دولته وأمنها.
وكلُّ ذلك يجعله لا يفرّط في قضية الالتفاف القويّ المُخلص الدائم بقيادته التي آمن بها لما برهنت عليه قيادة السيد ولي الفقيه، السيد علي الخامنئي، لما برهنت عليه هذه القيادة العملاقة من علمٍ وخبرةٍ وبصيرةٍ ومبدئيةٍ وشجاعةٍ فائقة، واحترامٍ وفدائيةٍ للإسلام والشعب والأمة والإنسانية.
والثورة الإسلامية في إيران ولأنّها إسلامية بحقّ، وللدولة الإسلامية فيها ولأنها إسلامية بحقّ -وليس لأنها مجرد ثورة أو مجرد دولة، لا، لأنّها إسلامية وبحقّ، إسلامية أولاً وبحقّ، لا ادّعاء فارغاً ولا دعوة مغشوشة كاذبة- لهذا، وللثورة الإسلامية في إيران ولأنّها إسلامية بحقّ، وللدولة الإسلامية فيها ولأنها إسلامية بحقّ، صوتٌ حبيبٌ ونورٌ نفّاذ في عقول أمّة الإيمان وقلوب رجالها ونسائها وشبابها وشيبها، جعلها تتجاوب مع روح التغيير والتصحيح والإصلاح والثورة من أجل اجتثاث كل الأوضاع السيئة في شتى المجالات من صنع السياسة المتخلفة، القاصرة، المستغفلة للشعوب، المستغلة لها، البائعة للأمة بثمنٍ بخس يصبّ في جيوب حكامها، وهو فتات مما ينهبه الأجنبي من ثروات الأمة وجهد الشعوب ليتكرم بشيء من فتات ما نهب على حكام الأمة ليستعبدهم.
فسريعاً كان التحرّك من الساحة الإسلامية، ووُلدت حركاتٌ تطالب بالحقوق، وحركات سياسية ذات أطرٍ تختلف في حجمها وإمكاناتها وتشترك في كونها من وحي الثورة والدولة التي أقامها الإسلام وفقهاؤه وعلماؤه في إيران وشعب إيران البطل.
وجاء هذا بما هو ردُّ فعلٍ اختياري، وانجذاباً للشعور بضرورة التغيير، بما علّمته الثورة للأمّة من أنّه لا حياة ولا كرامة ولا عزّة لها ولا لأحدٍ من الإنسانية إلا بالإسلام.
درسٌ ما أكبره من درس! مكسبٌ ليس مثله من مكسب تعلّمته الأمة وتعلّمه أحرارٌ كثيرون في هذا العالم من ثورة الإمام الخميني ودولته ودولة الإمام الخامنئي. تعلّمه الكثيرون؛ درسٌ تعلّمته الأمّة وتعلّمه كثير من أحرار العالم من الشعب الإيراني البطل.
من أكبر نعم ثورتهم والحكومة الإسلامية في الجمهورية الإسلامية أنها لفتت أبناء الأمة الإسلامية، كما علّمت الكثيرين من أبناء العالم أن المشكلة الأعمق والأكثر حدّة في كلّ العالم اليوم هو الجهل بالإسلام وتعطيل قيادته للحركة في العالم.
جَهْلُ العالم اليوم بالإسلام، والجاهل بالشيء لا يعرف قدره، والجهل قتّال. والعالم لا زال يجهل الإسلام، وحتى الأمة الإسلامية إنما تعرف من قدر الإسلام شيئاً ما ولا تعرف الإسلام بحجمه؛ هذا سبب، هذه مشكلة عميقة وجذرية وأساس. ويلازم هذا أن العالم يسعى بكل جد أن يحول بين الإسلام وبين أن يحكم؛ ولا حاكمية يمكن أن يترتب عليها العدل ويترتب عليها الرخاء والأمن والسلام والأخوة الإنسانية من غير الإسلام. ليس من أطروحةٍ أخرى غير الإسلام يمكن أن تحقق هذه المطالب الضرورية للإنسانية كلها.
من أكبر نعم الثورة والحكومة الإسلامية في الجمهورية الإسلامية، لا نلتفت إلى شيء من هنا وهناك، وإذا أحسسنا بشيءٍ من الأمن أو أحسسنا بشيء من عزة، لازم أن نرجعه إلى سببه؛ وهو سبب أن يعرف الإنسان -يعني بمقدار ما تعرف الإنسانية قيمة الإسلام تعز الإنسانية وتشرف وتهنأ وتجد الراحة في الدنيا والراحة في الآخرة- فسرُّ حلّ كلّ المشاكل أن يتعلم الإسلام. أن يبقى العالم جاهلاً بقيمة الإسلام، ويترتب على ذلك تعطيل حكم الإسلام الذي لا منقذ دونه.
نعم، من أكبر نعم الثورة والحكومة الإسلامية في الجمهورية الإسلامية أنها ألفتت أبناء الأمة الإسلامية عملياً، كما علّمت الكثيرين من أبناء العالم أنّ المشكلة الأعمق والأكثر حدّة في العالم اليوم هو الجهل بالإسلام وتعطيل قيادته للحركة في العالم، وأنّ الطريق لنجاة العالم اليوم من جميع ورطاته وأزماته ومن الهلكات العامة هو معرفة الإسلام وتسليمه قيادة الحركة في الأرض وتربية العالم؛ وحكومة الإسلام للأرض وظيفتها الكبرى تربية العالم، وأنّ من تضييع الوقت والعبث بمصير الإنسانية أن يُطرح أيّ شعار آخر للإنقاذ غير الإسلام وغير حكومة الإسلام.
من التضييع للوقت، من اللعب بمصير الإنسانية، من التلاعب بذهنية الإنسان، من التضليل جدّاً، أن تُقدَّم أطروحات أخرى لإنقاذ العالم غير الأطروحة الإسلامية.
كُلُّ الحركات المطلبية كالحركات التي تطالب بعدد من الحقوق وما إلى ذلك؛ كُلُّ الحركات المطلبية والسياسية والإصلاحية والتغييرية بأيّ حجمٍ كانت هذه الحركة، خيرها في أن تتخذ الإسلام بوصلة وحيدة لا تتمايل عن الخط الذي تهدي إليه، وأن تلتزم بالشروط الإسلامية للتغيير المطلوب. حركة مطلبية مع الإخلال في الالتزام بأي شرط من شروط التغيير -الشروط الإسلامية في التغيير- حركة فاشلة؛ حركة فاشلة، وحركة قد تنفع من جهة ولكنها تضر من جهة أكبر.
فمن الخطير جدّاً أن تحتضن أيّ فكرةٍ مطلبية، إصلاحية، تغييرية، أيّ فكرة من هذه الأفكار، من الخطير أن تحتضن مُقوِّماً من مقوّماتها مخالفاً لرؤية الإسلام. أي مُقوِّم من المقومات لأيّ حركةٍ من الحركات، لأيّ ثورة من الثورات، لأيّحركة تغييرية؛ أيّ حركةٍ من هذه الحركات، حين تحتضن مُقوِّماً، تعتمد مُقوِّماً من مقوّماتها وتخل بشرط، أو تتبنى شرطاً من شروطها على خلاف الرؤية الإسلامية، فهي خاسرة وإنْ ربحت أو أعطت في جانب، فإنها تسبب تضليلاً وتسبب تشويشاً على خط الفكر التغييري الإسلامي، وتخلط بين الإسلام وبين غيره، وتُمثِّل غشّاً للأمة بالمزج بين ما هو إسلام وما هو غير إسلام.
نريد تربية صافية خالصة تُقدِّم للأمّة ولغير الأمّة إسلاماً خالصاً لا شوب فيه. علينا ألاّ نخلط في أيّ حركةٍ من حركاتنا؛ أيّ حركة مطلبية واسعة أو ضيقة، تغييرية ضيقةأو واسعة، علينا ألا نخلط بين ما هو إسلام وما هو غير إسلام. وأن تتلقف أذهان أجيالنا القادمة منّا خطّأً أساسياً تؤمن به على أساس ما نفعله من ظلمٍ الإسلام حينما نخلط بين فكر الإسلام والفكر المبين.
علينا أن نصرّ إصراراً شديداً بأن لا نُقدِّم لأبنائنا ولا لجيلنا الحاضر ولا للأجيال القادمة، ونحن ندّعي أننا نخدم الإسلام وأننا حماة للإسلام -علينا ونحن كذلك- ألا نخلط بين الإسلام وبين غيره، وألا نطلب نجاح أي حركة من حركاتنا على أساسٍ غير إسلامي.
التكامل -إخوتي- وظيفة الحياة؛ التكامل في نظر الإسلام هو هدف الحياة، هذا على مستوى الفرد والمجتمع والأمة.
التكامل يعني ماذا؟
التكامل يعني أنّي حققتُ شيئاً من التقدّم من ناحية فكرية، عليَّ ألا أقف وإنما أبدأ المرحلة التالية بجد واجتهاد وعزيمة أكبر وجهد أكبر في طلب درجة أعلى من الدرجة الفكرية التي وصلت إليها.
الناحية المالية، العلمية، الاجتماعية، في أيّ مجالٍ من المجالات، مجالات الخير، مجالات التقدّم؛ لا أضع أمامي حدّاً نهائياً لحركتي في اتجاه التقدم، لا على مستوى الفرد ولا على مستوى الجماعة ولا المجتمع ولا الأمة ولا العالم كله.
الإسلام يصرُّ على أن تكون حياة الفرد، حياة الجماعة، حياة المجتمع، من أوّلها إلى آخرها حياة تكامل وحتى لحظة الموت. وفي لحظة الموت، إذا استطاع أحدنا أن يخدم نفسه، وأن يخدم ولده، ويخدم مجتمعه وأرحامه وأقرباءه والأمة بكاملها والعالم بكامله وادّخرها، فهو ظالم لنفسه وظالم للعالم، مقصر ومضيع لهذه اللحظة من لحظات حياته، هذا النفس الأخير من أنفاسه. يعني إذا كان أمكنه أن يضع النفس الأخير في هداية الناس، في تصليح وضع من الأوضاع، في وصية تقوّم سلوك شخص، تقوّم سلوك عائلة، وإلا لختم حياته بالتقصير.
التكامل وظيفة الحياة على مستوى الفرد والمجتمع، والطريق إلى التكامل مواصلة الحركة والتجربة والمحاولة والمقاومة والتفكير في الجديد، دائماً أفكر فيما هو جديد نافع. أعمل فكري، هل هناك من جديد نافع أستطيع أن أصل إليه بالنسبة لشخصي، بالنسبة لعائلتي، بالنسبة لمجتمعي، إلى آخره، بالنسبة للعالم.
فالتكامل يحتاج إلى هذا الشيء. التكامل ضروري، الوظيفة لا فتور عنها. فشل تجربة لا يعني التوقف، إنما يفرض التفكير في تطوير هذه التجربة. فشل محاولة، فشل حركة، لا بد أن يعقبه محاولة جديّة وأكبر بذلاً وأكثر هدى في سبيل تلاشي الخطأ والقصور.
دائماً علينا أن نتطلّع إلى الأحسن والأفضل والدرجة الأعلى ممّا وصلنا إليه. يأتي تفكير في توقف أي حركة تغييرية ولو مطلبية والتنازل عنها، معنى ذلك ارتكاب خطأ كبير جداً. أنت أمام أمرين: إما أن تراجع ذاتك وإمكاناتك وتحاول أن تتلافى أخطاءك السابقة، وأن تُجدِّد في قوّتك، وأن تزيد من إمكاناتك، وتُعْمِل تفكيرك كما استطعت في تطوير أساليبك وأن تواصل حركتك المطلبية؛ وإما أن تسكن، تيأس، تتنازل، تستسلم. الخيار الثاني انتحار، موت؛ الخيار الأول تمسك بالحياة والعزّة والكرامة والتقدم.
من 14 فبراير إلى الآن، يوم التحرّك الكبير، ادرسوا الواقع الحاصل في هذه المُدّة؛ كان الحراك ليس من فراغ، كان الحراك وراءه مطالب مُلِّحة.
هذه المطالب المُلِّحة زادت أو نقصت؟ زادت.
الأحوال ساءت بدرجةٍ أكبر أم خفّت؟ ساءت بدرجة أكبر.
الوعي العالمي ووعي الأمة تقدّم أو وقف عند موقعه ذلك اليوم؟
كُلّ ذلك ماذا يفرض؟ أن نتراجع أو أن نستمر؟ كُلّ ذلك يفرض أن نستمر.
وهذه الحركة التي تميّزت بالسلمية، ولا زالت تطرح عنوان وشعار السلمية، ولا يوجد لها أيّ نقدٍ في العالم على هذه الحركة السلمية. وبرغم الآلام وبرغم الشدائد وبرغم المواجهة، ومقابلة هذه السلمية بالشدّة والعنف، برغم هذا،الكلمة تكون مَعيبة جدّاً، أيّ كلمة تُدين الحراك في البحرين مَعيبة جدّاً، وعلى خلاف مقاييس الحقّ والعدل والإنصاف.
فنحن نحسّ بالنظافة الكاملة وبالنيّة السليمة، وكلّكم استبعد أنّه يتحرّك من أجل أن يضرّ بأحد، وإنّما من أجل إقامة العدل. ولو قسا العدل على البعض؛ طبعاً أنا عندي 50 مليار بتاخذ من عندي مليار واحد بحس بالنقص، ولكنهذا إحساس من منشأ الظلم، هذا الإحساس من منشأ الظلم، ومن منشأ الأنانية، ومن منشأ عدم الإحساس بمشاعر الآخرين وكرامة الآخرين وحاجة الآخرين. ولو راعينا هذا الإنسان الذي لا يُفكِّر إلا في مصلحة نفسه، وإلا في أن يزداد رصيده في البنوك وأن يسجل له رصيداً مالياً في كل بلدان العالم، إذا راعينا هذا فلنَبِعْ ملايين الناس من أجل شخصٍ واحد!
غَفَرَ الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

















