في الثلاثين من أغسطس/ آب من كلّ عام، يحتفل العالم باليوم الدوليّ لضحايا الاختفاء القسريّ، وهو يوم لتسليط الضوء على واحدة من أشدّ الجرائم ضدّ الإنسانيّة بشاعة، الجريمة التي تصادر فيها الأنظمة الأرواح والحقوق بصمت قاتل، تاركة الضحايا خلف ستار من الغموض والرعب.
إنّ هذا اليوم ليس مجرّد ذكرى لضحايا لا تزال معاناتهم تمزّق ضمائر الأحرار، بل إنّه دعوة صريحة لمساءلة الأنظمة التي تمارس هذا السلاح المخيف لتكميم الأفواه وسحق المطالب العادلة.
جريمة مستمرّة في البحرين: الاختفاء القسريّ
حين نتمعّن في وقائع الاختفاء القسريّ في البحرين، تنكشف أمامنا حقيقة مظلمة حول كيفيّة توظيف هذا الأسلوب الوحشيّ لإخماد أصوات الشرفاء؛ هذا الأسلوب هو سياسة ممنهجة تعاقد عليها النظام الخليفيّ لقمع مطالب الحريّة والعدالة، بهدف سحق الحراكات الشعبيّة المطالبة بحقّ تقرير المصير، وإيقاد ثورة العقول والأفئدة الساعية لإنهاء الاستبداد.
منذ اندلاع الحراك الشعبيّ في البحرين عام 2011، لجأ النظام الخليفيّ إلى الإخفاء القسريّ كأداة استراتيجيّة لإرهاب المعارضين، وليست القصص المرتبطة بهذه السياسة إلّا شواهد دامية على نظام قائم على الخوف والقمع، لا على القانون. بعض المعتقلين اختفوا لمدّة تصل إلى عام كامل، حيث تعمّدت أجهزة النظام إخفاءهم من دون الإبلاغ عن أماكن احتجازهم، تاركين عائلاتهم في دوامة الانتظار والقلق المستمر.
التعذيب.. الرفيق المظلم للاختفاء
خلف قضبان وزنازين لا تعرف نور العدالة، يخضع المعتقلون لتنكيل ممنهج من التعذيب النفسيّ والجسديّ. إنّ التعذيب في هذه السجون ليس مجرّد «انتهاك» عارض، بل هو أداة تخطيط متعمّد لكسر الإرادة وتحطيم الشخصيّات. شهادات الناجين تكشف أساليب متنوّعة من التعذيب: الضرب، الحرمان من النوم، الصدمات الكهربائيّة، التجويع، التهديد، وكلّ ذلك بلا أدنى محاسبة أو رقابة قانونيّة تجعل الجناة يدفعون الثمن.
ولعلّ الأسوأ من كلّ ذلك ليس فقط جسامة الانتهاك، بل الإفلات الممنهج للجناة من العقاب. فالسياسات المتبعة لا تكترث بالتزامات الدولة تجاه حقوق الإنسان، وتستمرّ بحريّة بينما يُترك الضحايا يبحثون عن قطرات من العدالة في بحرٍ جاف من الأخلاق والإنصاف.
البحرين والاتفاقيّة الدوليّة: غياب المسؤوليّة القانونيّة
إنّ توقيع المعاهدات الدوليّة وصياغتها لا يعني سوى أنّها حبر على ورق إذا لم تُترجم لواقع ملموس. وفي حالة البحرين، يظهر الغياب التام لأيّ إرادة حقيقيّة لوقف هذه الجرائم؛ فمنذ صدور الاتفاقيّة الدوليّة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسريّ في العام 2017، تجاهل النظام الخليفي التصديق على هذه الوثيقة القانونيّة التي تُعدّ السلّم الأوّل لتحقيق العدالة، ذلك الإهمال الصارخ للمعايير الدوليّة يكشف عزلة هذا النظام عن لغة الحقوق، ويثبت أنّه اختار الوقوف في صفّ القمع بدلًا من الانخراط في مجتمع العدالة.
المحاسبة والمسؤوليّة: الطريق إلى الإصلاح
لا يمكن للمجتمع الدوليّ أن يصمت أكثر على ممارسات النظام الخليفيّ المستمرّة، ولا يمكن الحديث عن مستقبلٍ عادل في البحرين ما دامت هذه الانتهاكات تحدث من دون محاسبة. يجب أن تعمل الهيئات الدوليّة ومنظّمات حقوق الإنسان للضغط من أجل مقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم المروعة، فلا ينبغي أن يكون أحد فوق القانون، كما يجب تقديم تعويضات تعيد لضحايا الاختفاء القسريّ ولو جزءًا من كرامتهم المسلوبة واعتبارهم الممزق.
إنّ المعركة ضدّ الاختفاء القسريّ ليست معركة فرديّة أو قضيّة محليّة، بل هي معركة شرف تمتدّ إلى ضمير كلّ إنسان حرّ. إنّها صراع مقدّس يقف فيه الإنسان أمام طغيان يدّعي السيادة بينما يسحق الإنسانيّة.
صرخة الختام: نحو عالم أكثر إنسانيّة
في هذا اليوم، وفي كلّ يوم نذكر ضحايا الاختفاء القسري، علينا أن نعيد قراءة التاريخ. لكن ليس من أجل تأمّل كمّ الألم الذي سبّبه، بل من أجل استشراف مستقبل يمنع تكرار هذه الجرائم، علينا أن نسأل بصوت عالٍ: أيّ عالم نريده؟ عالم الصمت والفراغ أم عالم العدالة والإنسانيّة؟
لن نستطيع استعادة الضحايا الذين انطفأت أنوارهم في السرّ، ولكنّنا نستطيع بناء عالم لن يختفي فيه أحد. لنكن التغيير الذي نأمله، ولنرفع صرخات المظلومين إلى سماء الحقيقة، حتى تمطر عدالة تروي أرواحهم التي ظمئت طويلًا.