في قلب الأمّهات صرخة، وبين جدران البيوت أصداء الثورة، وعلى الأرض، خطى الآباء والأبناء تسير وتزحف نحو الأمل، أمل تحقيق العدالة وردّ الصاع صاعين للمحتلّين والمعتدين. وتكاد تتشعب من مشهد الثورة تلك الصور التي تحكي عن مجازر ودموع وأنين.
لقد كان الخامس من أبريل/ نيسان من العام 2002 يومًا لا ينسى في ذاكرة الأمّة العربيّة والإسلاميّة، يومًا تجسّدت فيه إرادة الشعب البحرانيّ بوجه الاستكبار الأمريكيّ وتواطئه الصارخ مع الاحتلال الصهيونيّ.
لقد نضح الجرح الفلسطيني دماءً وطنيّة تسري في عروق أمّة بأكملها، فكيف لا؟ وقد شهدت فلسطين المجزرة تلو المجزرة، وكيف لا؟ والعالم يرى صورة الشهيد «محمد الدرّة» وهو يُقتل بين يدي والده، وكيف لا؟ والرضيعة «إيمان حجو» تلفظ أنفاسها الأولى تحت وطأة الهمجيّة. ألم يكن هذا كلّه كافيًا ليوقظ الضمائر؟!
هنا، على أرض البحرين الأبيّة، تصاعدت الأصوات وتعالت الهتافات، فبات كلّ شبر في مسيرة الجماهير المليونيّة يصدح بالكرامة ويهتف للحريّة: «لا للقواعد الأمريكيّة في البحرين الإسلاميّة»، صدحوا بها مطالبين بإغلاق السفارة المروّجة للسياسات الظالمة، وتلاحمت الأنفاس لتقول: «من رام الله للبحرين شعبٌ واحد لا شعبين».
وحينما أطلقت قوّات النظام القمعيّة رصاصها وألقت بغازاتها الخانقة، لم يهب الشعب إلّا شهيدًا صدح اسمه في سماء الثورة، شهيد الأقصى «محمد جمعة». ابن البحرين الذي رفض الخضوع وأبى الركوع، وقدّم دمه قربانًا للمسجد الأقصى ولحلم الأمّة الذي لا يتحقّق إلا بالتضحيات.
وعلى أسوار السفارة الأمريكيّة، حيث الصلابة والعناد، كانت مشاهد البطولة، إذ علت رايات فلسطين كأنّما تحاكي السماء، بأنّ حتى الطغيان له نهاية، وأنّ صرخة الحقّ لا يمكن كتمها بالنيران ولا بالحديد.
حقًّا، إنّ مسيرة 5 أبريل/ نيسان كانت أكثر من مجرّد تظاهرة، كانت رسالة للعالم، رسالة تقول إنّ الظلم مهما استطال وتجبّر، فإنّه لن يدوم أمام إرادة الشعوب.
مضى الشعب البحرانيّ يكتب بدمائه فصلًا ثوريًّا جديدًا في كتاب الأمّة، فصلًا يقول إنّ التضامن ليس مجرّد كلمات، بل هو مشاعر وأرواح تتلاحم وتفدي بعضها لأجل الكرامة والحريّة. وها هو شعاع الأمل يتوهّج من جديد بينما يندّد الشعب بالظلم، مصمّمًا على مواصلة السير على نهج الثورة والمقاومة، حتى تحقيق العدل واستعادة الحقوق.