في قلب الليل، حيث تصمت الأصوات ويختفي ضجيج النهار، تبقى قصص الشهداء شعلة تضيء تلك الظلمات، وتذكرة دائمة بمعاني الحريّة والتضحية.
سُطّرت على صفحات التاريخ المعاصر أحداث تؤرق ضمير الإنسانيّة، وقصص لشهداء قدّموا أرواحهم فداء للحقّ والعدالة؛ من بين تلك القصص، تبرز قصّة «جعفر محمد الدرازي»، شاب في مقتبل العمر، ارتقى شهيدًا تحت وطأة التعذيب والإهمال الطبيّ، ليصبح رمزًا للنضال، ومثالًا يحتذى به في مسيرة الكفاح ضدّ الطغيان.
في الـ26 من فبراير/ شباط 2014، أغمض الشهيد جعفر الدرازي عينيه للمرّة الأخيرة، وقد اختطفته يد المنون بعد رحلة عذاب طويلة عقب اعتقاله وتعرّضه للتعذيب الوحشيّ. سجّل التاريخ أنّ هذه الروح الطاهرة غادرت العالم متأثرةً بمضاعفات جسيمة نتيجة للإهمال الطبيّ الذي تعرّض له، في وقت كان في أمسّ الحاجة إلى الرعاية والعلاج من مرض فقر الدم المنجلي الذي عانى منه.
الشهيد جعفر الدرازي، ابن منطقة الديه، ذو الـ23 ربيعًا، كان قد اعتقل أكثر من مرّة وأصيب بشظايا الشوزن في عدّة أحداث، ولكن ذلك لم يثنِ عزيمته أو يكسر إرادته، بل ظلّ صامدًا في وجه الظلم والطغيان؛ ظلّ مطاردًا لمدّة سنتين حتى جاءت المرّة الأخيرة التي اعتقل بها في يناير/ كانون الثاني 2014، على خلفيّة محاولة «الهروب البطوليّة» عبر البحر مع مجموعة من رفاقه.
وقد كانت اللحظات الأخيرة في حياة الشهيد جعفر شهادة حيّة على صلابة روحه وعنفوانها في مواجهة آلة القمع. نُقل إلى مبنى التحقيقات ثمّ إلى توقيف الحوض الجاف، حيث أُهمل علاجه عمدًا، ما أدّى إلى تدهور حالته الصحيّة بشكل خطر، ليختتم رحلته في مستشفى السلمانيّة، مودعًا الحياة بعد نضال طويل مع المرض والظلم.
في ذكرى الشهيد جعفر الدرازي، لا بدّ من تجديد العهد والوفاء للقضيّة التي ناضل من أجلها هو ورفاقه، والاستلهام من تضحيته معاني الإيمان بالحقّ والصمود في وجه الظلم. إنّ قصّة جعفر ليست مجرّد ذكرى لروح رحلت، بل هي شعلة تضيء طريق الحريّة والكفاح في سبيل العدالة والكرامة الإنسانيّة.
لتبقَ ذكراه خالدة في قلوبنا، ولتكُن حافزًا لأجيال قادمة في الدفاع عن الحقّ والوقوف بوجه الظلم والطغيان؛ لجعفر ولجميع شهداء الحريّة، نجدّد العهد والولاء، مستلهمين من قصصهم الشجاعة والتضحية، رمزًا لنضال لا ينتهي وأمل لا يفنى في مستقبل مفعم بالحريّة والعدالة للجميع.