×

نصّ خطاب سماحة الفقيه القائد قاسم ليلة العاشر من المحرّم 1443هـ 

هذا مَحفلٌ كريم رساليٌّ حسيني، وهو واحدٌ من محافل تملأ أرضَ الله الليلة وغدا، محافلُ منها من هم أجساداً وقلوباً في كربلاء.

نصّ خطاب سماحة الفقيه القائد قاسم ليلة العاشر من المحرّم 1443هـ 

النصّ الكامل لخطاب سماحة الفقيه القائد قاسم ليلة العاشر من المحرّم 1443هـ:

أعزائي الكرام المؤمنين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

هذا مَحفلٌ كريم رساليٌّ حسيني، وهو واحدٌ من محافل تملأ أرضَ الله الليلة وغدا، محافلُ منها من هم أجساداً وقلوباً في كربلاء، ومنها محافل في أقطار الدنيا إسلامية أو غير إسلامية كلُّ قلوبها في كربلاء، قلوبُ ملايين المؤمنين تحفُّ هذه الليلة بقبر أبي عبدالله الحسين عليه السلام، لا يُلفتها ذهب ولا فضة، ولا يُلفت واحدها كثرة الجموع، ولا يصفه شيءٌ من ذلك عن إنشداد قلبه إلى الحسين، عن تعلُّق قلبه بالحسين عليه السلام. هي ملايين آمنت حقَّ الإيمان بإمامة الحسين، ولا يلهو لها قلبٌ عن عظمة الحسين، ولا تهدأ لها نفسٌ إلا أن ينتصر الحسين عليه السلام ميدانياً، وعلى الأرض، وفي حياة الناس حتى يحكم حياة الناس خطُّه. الملايين التي هي منشغلةٌ الليلة بالخصوص بأبي عبدالله، بثورته، بإمامته، بهدفه ستبقى على هذا الخط حتّى يقوم القائم عجّل الله فرجه، ويحقق النصر الذي كان نهضة أبي عبدالله عليه السلام من أجله.

الحسين بقبره الشريف يجمع ملايين الناس على خطّ النصرة للإسلام، لينتقم من الجاهلية كلّها، ويركّز كلّ غاياته، هذه مهمّته إمامة الحسين، هذه هي مهمة ثورة الحسين، هذه هي مهمة شهادة الحسين، هذه هي مهمة كربلاء الحسين وقبر الحسين عليه السلام.

الإسلام كربلاء وكربلاء الإسلام، الإسلام نلقاه في كربلاء، نفهمه في كربلاء، نفقهه في كربلاء، نستوعبه في كربلاء، وكربلاء نستوعبها، نفهمها، نفقهها في الإسلام، في القرآن، في نبي الإسلام، في سيرة الأئمة الهداة كلّهم عليهم أفضل الصلاة والسلام.

إذا أردْتَ أنْ تَقِفَ على الإسلام فأقرأ كربلاء، إذا أردْتَ أنْ تَقِفَ على كربلاء فأقرأ الإسلام، إنّهُمَا إسلامٌ واحد، كربلاء واحدة، قرآنٌ واحد.

مَن فاته وعيُ كربلاء لم يَكُن الوعي الكامل الدقيق بالإسلام، ومَن فاته شيءٌ من وعي الإسلام فاته الوعي الكامل لكربلاء.

اقرأ الإسلام في كتابيه، في كتابه النظري، في كتابه الفكري، الذي يلقي إلى الفكر الحقائق الثابتة، ويبني فكراً دقيقاً صحيحاً لا شوْب فيه، واقرأ الإسلام في كتابه الكربلائي، في ثوراته، ثورة بدرٍ وأحدٍ وكلّ المعارك على يد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وفي معركة كربلاء، وفي معركة صفّين، وفي معارك الأئمة عليهم السلام، ما كانت معارك المعصومين عبثاً، فكما كانت تبني الإسلام يومها، وتقهر الجاهلية، كانت أيضاً لترسم صورة الإسلام الصحيح، الإسلام القرآني الأمين، قامت لتحمي القرآن من التحريف، لتحمي رسالة رسول الله من أنْ يدخلها الخطأ عند المسلمين، أفهِمنا ما هي الوظيفة لثورة كربلاء، حتى نفهم ما هي الوظيفة لإحياء ثورة كربلاء؟ هل عَرِفْنَا ما هي مُهمّة ثورة كربلاء؟؛ ليكون تشيُّعي إلى كربلاء، إلى إمام كربلاء، مُستَقَى من فهمٍ دقيق، وفهمٍ رشيد، ومُستَقَى من فهمٍ قُرآني أمين، لِـ أتمسَّك بهذا المُستَمسك وبهذا المنبع، وبهذا المصدر الصافي الذي كُلّ مائه ثَبَات. 

كُلّنا وَقَفَ على عِدَّة شعارات يُردِّدُها أهل المأتم، ويُردِّدُها أهل الموكب مِن شيعة أبي عبد الله عليه السلام، منها قديم، ومنها جديد، وهو يلتقي مع القديم.

شعارٌ ثابت استُقِيَ من لسان أبي عبد الله عليه السلام، “هيهات منّا الذلة“. 

من شعارات البحرين، المأتم البحراني، والموكب البحراني، والرجل البحراني، والمرأة البحرانية، والطفل البحراني: “أبد والله ما ننسى حسيناه“.

لماذا لا تنسوْنَه؟ لحاجة الحياة إليه، لاِلتقاء الحياة في هداها إليه، إلى نفسيته، إلى عزيمته، إلى إرادته، إلى تقواه، إلى معرفته، إلى عرفانه، لأنّه نور الله في الأرض..

“أبد والله ما ننسى حسيناه”.. 

“لن نركع إلاّ لله”.. 

“هذي المآتم تنفتح طول الأبد.. كربلا ما تنَّسى يا مسلمون”.. -ينطقها الاخوان في المواكب والمآتم “يا مسلمين”-.

“هذي المآتم تنفتح طول الأبد“.. يعني موجود مضاد؟ موجود من يكره فتح هذه المآتم؟ موجود من يحاربها؟ أَمِن قديمٍ هذا؟ الكلمة توحي بذلك، وفيها رَدٌّ على محاولة جادّة لِئَن لا تنفتح المآتم، فأتى الجواب “هذي المآتم تنفتح طول الأبد“، رغم صعوبة الطريق، رغم كلّ التحديات، رغم كلّ المتاعب، رغم ما نَجِدُ ممّا يَنصَبُّ على المُعزِّين وحُضَّار المآتم مِن أذىً كبير. 

“غصباً على اعِداك نرفع رايتك“..

هذا قيل ليس فيها الصحوة عالية، الصحوة بالمعنى الحديث لا وجود لها، لكن موجود عشق، موجود انبهار بعظمة الحسين عليه السلام، موجود انبهار إيماني وعن وعي بعظمة الإمام الحسين أطلقت هذه الشعارات، لم يطلقها حسٌّ سياسي عملي، كان الحسّ السياسي العملي ميّتاً تماماً لا وجود له، لكن أطلق هذه الشعارات حسٌّ إيماني عميق، انبهارٌ إيماني كبير بعظمة الحسين، بتقوى الحسين، بجمال الحسين، بروعة الحسين عليه السلام.

“غصباً على اعداك نرفع رايتك”، ليست قراءة فقط، وليست مواكب عزاء فقط، إنما الهدف من المأتم، الهدف من الموكب أن تُرفع راية الحسين في الحياة، أن تحكم راية الحسين أوضاع الحياة، أن تُقيم راية الحسين سياسة الحسين في الحياة.

من أين جاء لهم هذا الوعي؟ هذا الوعي أعطتهم إيّاه ثورة الإمام الحسين وآثارها، وعِدَاء الأعداء لها، واشتداد الأعداء عليها، ومحاربة الأعداء لإحيائها.

الثورة في النفس عظيمة، جَذَّابة، تستولي على القلوب، ومعها عاملٌ آخر يساعد على التشبّث بها، والشعور بالحاجة الشديدة إليها؛ وهو إنحراف السياسة وظُلم السياسة القائمة، ومعاداة السياسة القائمة للإسلام وللحسين عليه السلام، الأمران معاً لا يترُكَان مجالاً لِمَن عَرِف ثورة الحسين، ولِمَن كانت له صورةٌ عن الواقع المُعاش أنْ ينسى ثورة الحسين، والحاجة الحسين، وأن يَخفّ عنده التعلُّق بالحسين، وأن يَفْتُر شوقه إلى الحسين عليه السلام. 

“لو قَطَّعوا أرْجُلَنا واليَديْن، نأتيكَ زحفاً سيّدي يا حُسين“، -وهذا الشعار من العراق-..

هي ليست كلمة يقولها شخصٌ مُعَزٍّ في ضمن ملايين يَشعُر وهو في هذا الجو بأنّه في أمان، لا.. هُمْ طَبّقوها عملياً في حال الشِدَّة، زَحَفُوا بالرجليْن واليَديْن للحسين عليه السلام، والموت على يد صدّام يُلاحقهم، قالوها كثيراً وبَرهَنوا عليها طويلا، الأجيال الحاضرة والأجيال التي سَبَقَت، بشكلٍ قاطع، وبكلمةٍ جازمة، تنبَعُ من داخل القلب، قالت ملايين الحسين، للحسين وأهل بيت الحسين وفاطميات الحسين، “معكم معكم لا مع عدوّكم“.. 

نَعَمْ أُخوَتي الكِرَام..

كربلاء تبني القوّة من خلال أَمرَيْن بارزيْن، وهي تبني القوّة من كلّ الأبعاد الأخرى، هذان أمرَان يَبْنِيَان القوّة، ولا تقوم أمّةٌ بِلاهما، ولا تندحرُ أمّةٌ تتوَفّر عليهما، أوّلهما العزّةُ بالله. ولا إسلام ولا دين في الأرض أقدَر على اِعطاء العزّة بالله من الإسلام، وكُلَّما اِنشَدَدْتَ إلى الإسلام عَرِفْتَ الله، وَثِقْتَ بالله، توكّلْتَ على الله، اِعْتمدتَ على الله، وَجَدتَ نَفْسَكَ قويّاً.

في المال قوّةٌ تُشْعِر بالعزّة، وفي الصحّة قوّةٌ تُشْعِر بالعزّة، وفي العشيرة قوّةٌ تُشْعِر بالعزّة، وفي القوم قوّةٌ تُشْعِر بالعزّة، وكلُّ شيءٍ من أسباب هذه العزّة أقلُّ قيمةً، وأضعفُ فاعليّةً من العزّة بالله.

العزّةُ بالمال تُغلَب، العزّةُ بكلِّ شيءٍ تُغلَب، يذوب أثَرُها في النفس، هذه الأسباب تذهب، يأتي ما هو أكبرُ منها، أنا لي قومٌ وآخر له قومٌ أكبر، أنا لي ثروةٌ وآخر له ثروة أكبر، أنا لي صحةٌ وآخر له صحّة أكبر، أمّا وأنا مؤمن، أنا واثقٌ بالله، وأنا أعرفُ الله، وأعرف رحمة الله بعبده، ودعم الله لعبده المؤمن؛ فأنا لا أَجِدُ مَن يغلبني.

أنتَ تشعر بأنّك ذو ثمن، أنا أشعر بأنّي ذو ثمن، لمالٍ أو جاهٍ أو ما إلى ذلك، لكن لا أحد يشعر بأنّ له ثمنٌ أكبر وله قيمةٌ أعلى لا يشتريها شيء؛ كمؤمنٍ حقّاً بالله تبارك وتعالى.

الإسلام الحقُّ لا يُبَاع، النفسُ التي عَرِفَت الإسلام وتَعَلَّقَت به وآمنت به حقَّ الإيمان لا تبيع إسلامها، لأنّها لا تَجِدُ ثمناً آخر في الدنيا يَعْدِل هذا الإسلام، وتستغني به عن الغنى بالإسلام، فلذلك النفس المؤمنة تَجِدُ نفسها أغلى نفس، وأغلى نفس لا تبيعُ نفسها على ما هو أرخص منها من النفوس، وكلُّ نفسٍ غير مؤمنة، وعزّها بمالها وسلطانها وجاهها هي نفسٌ أرخص من نفسكَ وأنتَ مؤمن، وهذا تعرفه النفس المؤمنة من داخلها.

المؤمن عنده شيءٌ واحدٌ لا يبيعه، وكلُّ الآخرين كلُّ ما عندهم من الممكن أن يبيعوه بثمنٍ آخر، لأنّ الثمن الذي عندهم ليس هو أكبر مقياس في الأثمان. صاحب المليار هناك من يكبره لأنّه يملك مليارين، صاحب السلطان هناك من يكبره لأنّ سلطانه أكبر، صاحب الإيمان هناك من يكبُره، صحيح، لكن ليس هو إلاّ مَن كان إيمانه أكبر، وهذا أنا أذلُّ له، المأموم يذلُّ للإمام، والمؤمن الحقّ يذلُّ للمؤمن الفقير الذي هو أكبر منه إيمانا، أمّا أصحاب السلطان والمال والجاه فلا يذلُّ أمامهم حين يذكر الله، حين يذكر قيمة نفسه بارتباطه بالله، هو الأعزّ. 

العزّة والحسين قرينان، والحسين مُعلِّمُ العزّة، كلمةً، وفعلاً، وتضحيةً، ودماءً سيّالةً على الأرض، وخدّاً معفّرا، ورأساً معلّقاً على القنا، هذا كلّه يقول بأنّه قليلٌ في سبيل العزّة بالله، العزّة لله.

الإسلام والحسين يعلمانا العزّة، ولا يتركا للذل أن يدخل إلى قلوبنا سبيلا، لا يبقى للذلّ سبيلٌ لئن يدخل قلب تعلّق بالإسلام وبالحسين، وآمن بالإسلام والحسين، وإنْ اشتدّ الخطب، وإنْ عَظُمَت التضحية، وإنْ كَبُر المصاب.

فكربلاء تبني القوّة من خلال العزّة، ومن خلال الأُخوّة الإيمانية، فما كان إيثارٌ إلاّ قليل مثلما كان الإيثار في كربلاء، وما كان التآخي صادقاً إلاّ قليلاً بمقدار ما كان صادقاً في كربلاء، ولا يُآخينا أكثرَ من أنْ يتضح لنا الهدف المشترك، وأن يكبُر الهدف المشترك في نفوسنا، وأن يتغلغل هذا الهدف في قلوبنا حتّى يملكها، وكلّما تقدّسَ الهدف وعَظُم وترسّخَ في النفس؛ وجدنا أنفسنا وجوداً واحداً، والوجودُ الواحد يعزُّ عليه أن يتمزّق، والوجودُ الواحد يأبى أنْ يتفرَّق، والوجودُ الواحد يَجِدُ نفسه يضعف لضعف بعضه، ولذلك تتشدَّد الأُخوّة، تَمْتُن الأُخوّة، تَصْدُق الأُخوّة، ينسى أحدنا خطأ الآخر.

أنتَ لأُخوّتك الصُلبية مع أخيك وعزيزك تراه يُغضِبُك لحظةً فترى قلبك لا يملك أن ينفصل عنه في لحظةٍ بعدها، ويرى منكَ ما يغيظ ولا يصبر على أن يشعر بهذه الفرقة بينك وبينه، وأصحاب الأُخوّة الإيمانية قلوبهم ملتحمة أكبر من هذا، وتضحيتهم في سبيل بعضهم البعض أكبر من هذا، وقد برهنت الأُخوّة الإسلامية في بدرٍ وفي غيرها، وفي كربلاء؛ على هذا الواقع، وقالت عنه بأنّه واقعٌ حقّ، وأنَّ الإسلام ينقل من العداوة إلى الأُخوّة، ومن الشُحِّ إلى الإيثار، ومن الضعف إلى القوّة، ومن خُبث القلوب إلى صفائها، وحين تَجِدُ قلوباً صافية تَجِدُ أُخوّة صادقة.

فلنقترب من الإيمان، وبمقدار ما نقترب من الإيمان والوعي الإيماني تنبني أخوّتنا.

تكون المشاحنة الليلة، أذهبُ إلى فراشي، وتذهب إلى فراشك، فإنْ كان لنا قلبان مؤمنان فسأشقى ليلتي، وستشقى ليلتك، ولن تهدأ عيني بنومها، ولن تتمتّع بنوم، ولن تتمتّع عينك بنوم.

نعم.. كُلَّما صَدَقَ الإيمان صَدَقَت الأُخوّة الإيمانية. والأُخوّة الإيمانية ضروريّة لبناء الصفّ المتين المُقاوِم المُجاهد القادر على كسر الصفّ الثاني.

سببٌ من أسباب القوّة الضاربة المنتصرة أنْ تنبني أُخوّة الألوف، وأُخوّة الملايين، وهذه الأُخوّة ليس أقدر من الإسلام والإيمان الحقّ وقيادة الحسين عليه السلام لبنائها. فكربلاء بإسلامها، بإيمانها، بحسيّنيّها، تصنع القوّة، وتصنع النصر، بصنعها العزّة بالله، وبصنعها الأخوّة الإيمانية.

هذه الليلة، إحياءُ كربلاء؛ من أجل أن نغنى من الشعور بالعزّة بالله، وأنْ نزين بالأُخوّة الإيمانية، وهذا هو طريق النصر المنشود للإسلام والمسلمين. 

لهذا جاء التخطيطُ لكربلاء، وجاء الكلام عن كربلاء عن لسان الرسول وما قبل الرسول صلَّى الله عليه وآله، على لسان الأنبياء والرسل “صلوات الله عليهم أجمعين”، كربلاء ذات أهمية كبرى جدّاً ليبقى الإسلام في الأرض، ويتحقّق يومُ الإسلام الكبير الذي لم يتحقّق الإسلامُ بمقدار ما يتحقّق في يوم المنتظر القائم عجّل الله فرجه، والذي كانت من أجله ثورة كربلاء.

الإسلام خَطّطَ لكربلاء، الإسلام والحسين عليه السلام خَطّط لكربلاء، والأئمة كلّهم عليهم السلام، وقبلهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله خَطَّط ليوم كربلاء، لذكرى كربلاء.

الرسول وأهل البيت خَطّطوا ومارسوا إحياء كربلاء، أي درجة لإحياء كربلاء؟ هذا الإهتمام المُبكِّر المُسبَّق، قبل الحادثة وبعد الحادثة، ثم يأتي من بعد ذلك اهتمامُ الفقهاء والعرفاء ممّن يعرفون قَدْر الحسين عليه السلام لعملية الإحياء.

أَوَعَى هذا عامّة محبي الحسين حتّى قالوا “أبد والله ما ننسى حسيناه”؟

إنْ لم يعوه بالتفكير فقد ألهمتهُم إيّاه الفطرة الصافية، وما من فطرةٍ تبقى على صفائها، يمكن أن تفارق ربّها، ويمكن أن تفارق أولياء الله تبارك وتعالى، قد يكون التفكير ضحلاً بدرجةٍ ما، لكن إذا كانت النفسُ صافيةً، الفطرة طاهرة محتفظة بطهارتها ونقائها وصورتها السماوية وهداها الإلهي؛ فالنفس بهذه الفطرة لا تُخدَع عن الإيمان، وتَجِدون أُناساً مِن بين من يشتغلون بدخول البحر للصيد، ومن يشتغلون بالزراعة، أو النجارة وما إلى ذلك، تَجِدون أُناساً في هذه الصفوف والفئات لا يملك أحدٌ أن يشتريْها، وليس لها من نصيبٍ كبيرٍ من عنده، ولكن لها فطرة تأبى عليها أن تبيع عهد الله، أن تُقدِّم على الله أحدا. عِلمٌ كبيرٌ لا يعيش صاحبه نقاءَ هذه الفطرة لا يُنقِذ، علمٌ قليلٌ يعيش صاحبه نقاءَ هذه الفطرة يُنقِذ، يُنجي، يُكسِب رضا الله، يُدخل الجنّة، وإذا اجتمع العلم ونقاء الفطرة فهو نورٌ على نور، ومَن اجتمع له العلم والفطرة الصافية فهو من أولياء الله عزَّ وجلّ، وذوي القربى العظيمة إليه.

مدرسة الإحياء من بناء الرسول وأهل بيته، وهذا يشدُّ الالتفات إلى هذا الأمر من المسلم، ويجعله يُصرُّ على قضية الاحياء، ويَقبَل المتاعب والنَصَب والتضحيات في سبيل الاحياء كما قَبِلَ أنصار أبي عبدالله عليه السلام أكبر الصِعاب في سبيل ثورته عليه السلام.

الشيءُ الآخر الذي أشرت له من قبل، هو وجود المُعاندة لإحياء كربلاء، وجود الحقد العملي، وجود مُحاربة، وجود السياسة المنافية لعدل الحسين، لاستقامة الحسين، لهدى الإسلام، هذه أمورٌ تجتمعُ فتُذْكي من حرارة الشوق والإيمان والاندفاعة لإحياء ذكرى ثورة الإمام الحسين عليه السلام.

وإنْ أطلتُ عليكم، ولكن هنا كلمتَيْن قصيرتين: 

أمّتُنا في مُحرّم هذه الأعوام:

نحن في هذه الأعوام، وبما نحن أمة منتمية للإسلام صُرنا أمةً -ومع الأسف الشديد- منقسمةً إنقساماً واضحاً بَيِّناً نرجوا أن لا يطول؛ جبهة التطبيع بقيادة أمريكا -وأنا أُركِّز على قيادة أمريكا، هي ليست بقيادة دولة إسلامية أو دولتين أو ثلاث دول إسلامية، إنما بقيادة أمريكا والصهيونية العدوانية واليهودية المنحرفة، ثلاثي-، وجبهة المقاومة في قِبالها، مستضعفوا هذه الأمّة، وُعَاة هذه الأمّة، مُخلصوا هذه الأمة، الذين يعرفون قَدْرَ الإسلام ولا يرون شيئاً يُساويه، أو شيئاً يَصحُّ الاحتفاظ به في قِبال سلامة الإسلام، هذه الجبهة الثانية.

ومعركة اليوم هي معركة الأمس، وامتحانُ الأمّة اليوم هو امتحانها بالأمس، ويَحرُمُ على الأمّة أن تُعطي فرصة نصرٍ لليزيد الأمريكي والصهيوني واليهودي -موجود يزيد، ويزيد العصر مُتمثّلٌ في أبشع صوره في الوجود الأمريكي والصهيوني واليهودي المُعادي-.

يَحرُم على الأمّة أن تُعطي لهذا الوجود فرصة نصرٍ على المقاومة، على الإسلام، على القرآن، على إنسانيتها، على وجودها، على قيمتها. 

ثم كلمة أخرى:

البحرين في مُحرَّم هذه الأعوام:

الحرب السياسيّة والأمنيّة على إحياء ذكرى عاشوراء في هذه السنوات واضحة، وأنتُم والعالم الإسلامي والعالم الآخر لا يحتاج إلى ذكر تفاصيل هذه الحرب، وكَمْ هي المتاعب والمشاق والأذى والخوف والخسائر التي تُسبِّبُها هذه الحرب العدوانية على عاشوراء الحسين في بحريننا العزيزة.

السؤال هنا: هل المُنطلَق لهذه الحرب هو مذهبي؟

يمكن أن يكون شيءٌ من ذلك، لكنّه ليس الشيء الأصل في نظري، وليس الشيء الرئيس، هو موجود بدرجةٍ نَعَمْ، موجودةٌ نفسيّته، لكنّ الأصلَ ليس هوَ.

المُنطلَق لهذه الحرب الظالمة على راية الإمام الحسين، على مأتمه، على رادود المناسبة، على خطيب المناسبة، على إدارة المأتم، على كلّ مَعلَمٍ من معالم إحياء عاشوراء، سَبَبُه أبعد من الحالة النفسية المذهبية.

شعبياً وبصورة ذاتية؛ لا حرب من شعب البحرين السُنِّي على مأتمٍ ولا مَظهرٍ من مظاهر عاشوراء، إذا وُجِدَ شيءٌ من هذا في بعض الوقت فبالخداع والتأجيج والاستثارة والسياسة الكائدة وما إلى ذلك، الأُخوّة الإسلامية ما بين الشيعة والسُنّة في البحرين متينة، والتعايش طويل، وموجودة علاقات عائلية وفردية، وموجود أُخوّة في الحقيقة إسلامية، ولكنَّ الكلام مع السياسة، والمطاردة السياسيّة لإحياء عاشوراء وكلّ جزئية في هذا الإحياء لهدفٍ سياسي.

حكومة البحرين في ظاهر سياستها، كما تقسوا على التشيُّع تقسوا كذلك على التسنُّن، وكما تُضيِّق خِناق الحريّة المذهبية على التشيُّع تُضيِّق خِناق حريّة المذهب السُنّي عند السُنّة، نَعَم يُمكن أنْ تفتَح كلّ الأبواب للمذهب السُنّي حين لا يَمَسُّ سياستها، ما إنْ يوجد عالم أو توجد مدرسة أو مؤسسة أو نشاط يُحَسُّ منه ولو من بعيد بأنّه سيُلحِق تجاه السياسة بشيءٍ ما، سيُعطي قناعةً للأخوَة السُنّة بضرورة الحكم الإسلامي، بأفضليّة الحكم الإسلامي، بالسعي إلى وصول الأمة ولو عن الطريق الهادئ السلمي إلى الحكم الإسلامي، حينها ستقوم قيامة السياسة ولا تقعُد، وهنا ينفتح الاستعداد الكامل لاحتضان الشيعة كلّ الشيعة من غير ذوي هذا الاتجاه والاستعانة بهم على السُنّة، هذا واضح جدّاً.

انظُر هل هناك اهتمام سُنّي مذهبي عند الحكومة يدفعها إلى معاداة الشيعة في إحيائهم لذكرى أبي عبد الله عليه السلام، أعطيك ما ينقض ذلك ويُناقض ذلك تماماً، هذا الدفع غير موجود.

المثلية الجنسية تلتقي مع المذهب السُنّي؟ قيادة المستقبل من أبناء الثامنة عشرة سنة ذكوراً وإناث على الطريقة الأمريكية، من أجل الهدف الأمريكي، من أجل الأخلاقيّة الأمريكية، من أجل التفسُّخ الأمريكي، يلتقي مع المذهب السُنّي؟

مَن يُريد حُكماً سُنيّاً، وإنتصاراً لثوابت المذهب السُنّي يأخذ البلاد إلى هذا الاتجاه؟

هذا يُكذِّب بأنّ مُنطلَق الحكومة مُنطلقٌ سُنّي في محاربتها معالم إحياء عاشوراء، المُنطلَق هو مُنطلَق سياسيّ تشترك فيه بشكلٍ عام كلّ المنطقة العربية الخليجية، كُلّ السُفن متجهة إلى الغرب، لأخلاقيّة الغرب، للفكر العلماني الغربي، الارتماء في أحضان العلمانية الغربية إلاّ أن تقترب من الديمقراطية السياسية، كلُّ شيءٍ مقبول من الغرب، كلُّ شيءٍ في الغرب نبحث عنه، ننشدُّ إليه، نرتمي ورائه.

نريدُ كرسيّاً وليس أيَّ كرسي، نريدُ الكرسي الوراثي بكلّ صلاحياته القائمة، ولأنّ الديمقراطية -وهي من الغرب- ربما أثّرَت على هذا الموقع، أو على صلاحيةٍ من صلاحياته، فهي الشيء الوحيد الذي نُعاديه من الغرب، الباقي من الحضارة الغربية المادية تجدونه الآن في جبهة التطبيع سير معاكس مُدبر عن الإسلام، مُقبلٌ على المادية الغربية.

فهذا الوضع المُتأزِّم للسياسة مع الحسين عليه السلام يجب أنْ لا ينعكس في ضمير الشيعة، في فكر الشيعة، في تعامل الشيعة على العلاقة مع الأخوْة السُنّة، كما يجب ألاّ يَغْتَرّ به مُغْتَرٌّ من الأخوْة السُنّة فيعمل على خَلْق المُعاداة بين الشيعة والسُنّة. 

والآن نحن مع الحسين أو مع غيره، قولوها “معكم معكم لا مع عدوّكم”..

مع الحسين، مع الشهيد، مع دماء كربلاء، مع الرؤوس المُقطَّعَة في كربلاء، مع يتامى كربلاء، مع أرامل كربلاء، مع المسيرة الجهادية الحسينية الدائمة المُستمرة حتّى يوم القائم “عجّل الله فرجه”، هيهات هيهات منّا الذلّة..

أبد والله ما ننسى حسيناه..

أبد والله ما ننسى خطّ الحسين..

أبد والله ما ننسى يتامى الحسين..

أبد والله ما ننسى أرامل الحسين..

عِظُّوا على إسلامكم بنواجذكم.. لا تُعطُوا ليدٍ عابثة أنْ تعبث بالإسلام وأنتُم قادرون على أدنى ردّ..

لبيك يا إسلام..

لبيك يا إسلام..

لبيك يا حُسين..

فداك يا حُسين..

فداؤنا حسين.. 

والحمدُ لله رَبِّ العالمين.

مصدر : الاعلام المقاوم


المواضیع ذات الصلة


  • الفقيه القائد قاسم: على الحكومة أن تعتزّ بالشعب لا بعلاقتها مع «إسرائيل» 
  • مقال للفقيه القائد آية الله قاسم: «منطقتنا إلى أين»؟ 
  • الفقيه القائد قاسم يعزّي برحيل «الشّيخ عبد الأمير قبلان» 
  • التجسّس على المعارضة البحرانيّة ببرامج صهيونيّة: خدمة للنظام أم للصهاينة؟ 
  • كذب سافر لإخفاء جرائم النظام خلال موسم عاشوراء 
  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *