من البحرين الى المنفى

الناشر: 
اسماعيليان
تاريخ النشر: 
1994/01/01
اللغة: 
عربي
+1
-95
-1
  • مشاهدة:‌ 2391
  • مشاركة: 0

سبق المناضل عبدالرحمن الباكر عصره بعقود في فكره السياسي وتضحيته في سبيل حرية شعب البحرين من الاستعمار الخارجي، وعصابة آل خليفة التي يسميها بالاستعمار الداخلي، فنشط في احباط خططهم الشيطانية مثل تاجيج الطائفية، وافتعال المشكلات بين ابناء الشعب الواحد؛ وبهذا استطاع في مدة وجيزة انشاء اكثر الكيانات اثراً في التاريخ الحديث للمعارضة البحرانية، حيث اسس «هيئة الاتحاد الوطني» المتشكل من ممثلي الشعب بالانتخاب، ولم يمنعه انتمائه للطائفة السنية، او حتى اصل عائلته القطري، ان يصبح الامين العام لهيئة الاتحاد الوطني، التي تضم الشيعة والسنة.

سيرة المناضل عبدالرحمن الباكر، وتاريخ نضال شعب البحرين قبل الخمسينات وبعدها لا تزال مرآة اليوم، ومن ذلك الملفات التالية:

خطة الاستعمار في تاجيج الطائفية: يذكر المناضل في الكثير من المواضع تجاربه الشخصية، وما تعرض له من اذى بسبب عمله الدؤوب على رأب الصدع بين الشيعة والسنة، الصدع الذي اوجدته عصابة آل خليفة، بتخطيط الاستعمار البريطاني؛ ومن ذلك:

 «حينما علم الانجليز بالدور الذي قمت به لتخفيف حدة التوتر بين الطائفتين، الامر الذي فشل فيه الكثيرون من ذوي الاغراض الخاصة، اوعزوا الى حاكم البحرين ان يامرني بمغادرة البلاد الى لبنان لمدة ثلاثة اشهر، ولم يكن قد مضى شهران منذ رجوعي من لبنان» [ص40].

رجع الباكر من لبنان، ويذكر في اول محاولة للجمع بين شباب من الطائفتين ما نصه:

«في اليوم الثاني قمنا باتصالاتنا بالقرى التي يقطن معظمها السنة، وقام الشيعة بنفس الاتصالات، وما ان علم حاكم البحرين بما سوف يتم حتى هاج وماج وارسل الى علي الوزان، والزين، والعلوي، والشملان، وابراهيم خلفان وهددهم وقال: كل عمل تقدمون عليه لاصلاح ذات البين بين الطائفتين هو عمل موجه ضدي وهددهم في مصالحهم وقال لهم: انني سامنع ذلك الاجتماع الذي تنوون عقده في المحرق بالقوة، حتى لو اضطررت الى اطلاق النار على المجتمعين

فما ان سمع القوم ما هددهم به حتى انفضوا من حولي ولم اعد اراهم (...) انه [حاكم البحرين] بعمله هذا خدم القضية اكبر خدمة من حيث لا يدري، فقد اتضح للناس ان حكومة البحرين وراء الفتنة الطائفية، ولهذا فلا حاجة بنا للاجتماع لاننا في الواقع مهدنا له تمهيداً طيباً ولمسنا الروح الطيبة لدى معظم الناس» [ص48].

ملف المرتزقة: لا شك ان المخابرات والاستعمار البريطاني كانا يعلمان بان وقود نار الطائفية في البحرين لا تسمنهم من نهم، ولا يمكن لهم السيطرة على النضال في قبال الاستعمار الداخلي والخارجي بقوى قمع محلية، ولهذا كان ملف المرتزقة منذ تلك العقود، يقول الباكر:

«لقد تمكن الانجليز ومن لف حولهم ان يناموا على حرير بعد ان قضوا على هيئة الاتحاد الوطني وتشريد المواطنين المناضلين، فليس هناك بعد التنكيل بالاحرار من يرفع عقيرته بالشكوى او التذمر، وليس هناك من يفضح لهم خططهم ومخططاتهم الاستعمارية، وقد تمكنوا ان يخلقوا في هذه الفترة بالذات طبقة انتهازية اوصلوها الى المراتب العليا في البلاد، فاثرت الثراء الفاحش، وتعاونوا مع طبقة لا تنتمي الى البلاد باصل ولا فرع، انما جاءت لتغترف من الخيرات وتبتز من الاموال ما تشاء، فاذا ما جف الزرع ويبس الضرع ولت مدبرة حاملة ما تملك الى بلد تجد في المرتع الخصب» [ص9-10].

اما في حادثة اعتقاله، فيذكر:

«اعتقلت في الساعة الثانية من صباح السادس من نوفمبر، اذ احتلت الحي مفرزة من قوة الدفاع البحراني يقودها ضباط بريطانيون وكل افراد المفرزة من المرتزقة الاجانب من بلوش وغيرهم، يبلغ عددهم حوالي ستين جندياً بسياراتهم واسلحتهم الاوتوماتيكية، وانخذت القوة لها مراكز في الزوايا الرئيسية من الحي وسدت جميع المنافذ والطرق المؤدية اليه، ثم بعد ذلك تقدمت ثلة من الجنود يخوذهم الفولاذية شاهرين حراب بنادقهم يرافقهم ضابطان، الاول برتبة ميجر وهو بريطاني، والثاني صف ضابط وهو قبرصي، فاندفعوا نحو البوابة الرئيسية، ثم كسروا البوابة الثانية المؤدية الى بهو المنزل، ودخلوا فناء المنزل وهو يصرخون بصيحات الحرب! ونسوا انهم جاؤا لاعتقال شخص اعزل يمكن ان يستدعى بالتلفون –دون ان يحدثوا هذه الامور الجسام ويقتحموا المنزل عليه وهو لا يملك حتى عصا في بيته يدافع بها عن نفسه» [ص210]

ملف الهجرات البحرانية: اقترن احتلال عصابة آل خليفة بالمقاومة الشعبية، والتي من اجلها ارتكبت العصابة المجرمة عشرات المجازر الجماعية، ولم يردعها في ذلك وازع ديني او رحمة انسانية؛ ومن اجل ذلك هربت الكثير من العوائل البحرانية، او نُفي من بقي منهم من بلاده وموطنه بعد سحب هويته، المناضل عبدالرحمن الباكر -المولود في المنامة- واحدٌ من جمع غفير، اشتهر لموقعه في «هيئة الاتحاد الوطني» كامين عام، يقول عن ذلك:

«في بداية الامر لم اخبر ايا من الجماعة بسحب جواز سفري على امل ان انهي الموضوع بني وبين الحكومة بطريقة سرية، ولكن بلجريف لكي يُتم لعبته بعث الي برسالة يقول فيها: ان حاكم البحرين امر بسحب جنسيتي وانني حر في ان اغادر البلاد الى قطر متى شئت، فكتبت له رسالة احتج على سحب جنسيتي ذاكراً له ومؤكداً بانني ساحتفظ بجنسيتي البحرانية وانني باق في البحرين (...) فلما علمت بالجواب اضطررت ان اخبر الجماعة بما حصل واذا بهم في هياج عظيم يقررون عقد اجتماع كبير بين الطائفتين للحد من هذه الاجراءات التعسفية ضد المواطنين (...) وتم الاجتماع في مسجد خميس بالمنامة » [ص55].

ملف فساد الجهاز القضائي: لم يؤمن شعب البحرين يوماً بنزاهة الجهاز القضائي، المتشكل من عصابة آل خليفة حتى يومنا هذا، يؤرخ لنا المناضل في كتابه هذه المخاوف قبل ستة عقود في اكثر من موضع، ليس آخرها ما جرى في محاكمته الصورية ... يقول –رحمه الله-:

«اما مخاوف الشيعة من ان وجود قضاة من الاسرة الحاكمة يشكل خطراً عليهم فهذا ليس في الحقيقة الا شر فرض على شعب البحرين باسره، ولا يمكن ان يقال ان المقصود به طائفة دون اخرى، بل العكس ..» [ص43].

غنيمة الغزاة .. البحرين ملك للحاكم: منذ ان احتلت عصابة آل خليفة بلاد البحرين، وكانت ممارساتهم استعباد البلاد والاستئثار بكل ثروات البلاد، وهو ما يذكره الباكر ضمن حواره مع من جاؤوا بهذه العصابة، وسياستهم فيه:

«ثم يجب ان لا يغرب عن بال الهيئة ان البحرين ملك لآل خليفة وان الملك وراثي وان الحاكم هو المشرع وهو المنفذ، والشئ الذي لا يمنحه الحاكم طواعية من نفسه، يعتبره الحاكم تعدياً على سلطته» [ص40].

اما العريضة التي كتبها ممثلوا الشعب –باكثر من 25.000 توقيع-، فقد كان موقف حاكم عصابة آل خليفة منها كالتلي:

« (... الحاكم) استلم المذكرة ورماها على الطاولة امامه ثم اخذ يتهكم علينا بالفاظ لا تليق به كانسان عادي فكيف وهو حاكم البلاد والمسؤول عن الصغيرة والكبيرة، وقال لهما نحن نعلم كيف ندير شؤوننا وما انتم الا رعايا عليكم السمع والطاعة ثم طردهما من مجلسه (...) وفي اليوم الثاني اصدرت حكومة البحرين بياناً رداً على مذكرة الهيئة فذكرت ان (بعض اناس) سموا انفسهم ممثلين للشعب تقدموا بمطالب ليس من حقهم ان يتقدموا بها لانهم لا يمثلون احداً والحكومة جادة في تنفيذ الاصلاحات ضمن المخطط الذي رسمته، وانها تحذر هؤلاء من الاخلال بالامن فان الحكومة قادرة على الضرب على ايدي العابثين بشدة» [ص66].

مجلس القهوة: بعد تعنت العصابة الحاكمة، اعلنت الهيئة الاضراب العام والذي استمر لمدة اسبوع، تم الاتفاق بعدها على عدة امور كان منها تشكيل مجلس منخب للمعارف [التربية والتعليم]، وآخر للصحة تعمل باستقلال اداري، وتُصرف مصاريفها من الحكومة .. لكن الاتفاقية وُضعت على الرف وباشرت حكومة العصابة بنسف الاتفاقية والخيانة، يقول الباكر نصاً:

«.. بنسف الاتفاقية واعتبار المجلس الاداري الذي كونته من بعض افراد الاسرة الحاكمة وبعض رؤساء الدوائر واثنين من الشعب المرجع الرئيسي وان على الشعب ان يتصل بالمجلس الاداري ويقدم مقترحاته وهو بدوره يرفعها للحاكم ويدرس الحاكم المقترحات وينفذ ما يراه صالحاً منها، عند هذا الحد لم نستطع ان نقف مكتوفي الايدي فاصدرنا بياناً نددنا فيه بتاسيس هذا المجلس وطالبنا الشعب بمقاطعته» [ص83].

خطة الابادة الجماعية –العلم مثلاً-: لم تكتف عصابة آل خليفة بالمجازر الجماعية، وتهجير مئات العوائل .. بل كانت ولا تزال تقوم بكل ما يعني استعباد الشعب بشكل كامل حتى وان كان في سبيل ذلك ابادتهم، والتي من مصاديقها: «إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا»، ولهذا كان من بيانٍ للهيئة:

«انه لما رات الهيئة ان هناك خطة مبيتة ومرسومة للتقليل من ارسال البعثات التعليمية الى الخارج، وحرمان ابناء هذا الشعب من العلم ومن فرص التخصص الفني، لهذا قررت الهيئة ان تبعث في العام الدراسي القادم خمسة عشر تلميذاً من حملة الشهادات الثانوية للبلاد العربية الشقيقة، وكذلك تلميذين الى البلاد الشرقية للاختصاص في الهندسة والمكانيك» [ص142].

نعش الطغاة: ربما كان للباكر كتاجر يجوب العالم فرصة ان يعلم الكثير مما لم يعلمه الشعب آنذاك من خطط الاستعمار من جانب، وعدم الامل بصنيعهم من عصابات قطاع الطرق من جانب آخر؛ فهو من يذكر ان احد كبار الانجليز الحاضرين في اجتماع بزنجبار خطب فيه بمناسبة خلق المسخ المسمى اسرائيل، اخبره قائلاً:

«ليت قومك اعدوا عدتهم قبل فوات الاوان، ان الدول السبع التي تذكرها ليست الا سبع دمى يحركها موظفون عاديون في الاستخبارات البريطانية!!» [ص14].

وعلى الرغم من انه لم يشا محاربة الاستعمار الداخلي (عصابة آل خليفة) والاستعمار الخارجي (البريطاني) معاً، كان مؤمناً بان خطر الاول اشد من الثاني، فتراه يسميهم تارة بالاقطاعيين، وتارة بالعملاء، واخرى بالديكتاتورية، وكلها واجبة الازالة والمحاربة .. ومع انه لم يرى محاربة الاثنين معاً آنذاك، الا انه كتب ما سيكون، بما نصه:

«ولعل خير ما يعبر عن الاوضاع الاستبدادية الشائنة والسائدة في البحرين في ايامنا هذه ما ارتكبته الفئة الحاكمة من جرم لا يغتفر في حق الشعب العربي في البحرين، ذلك الشعب الاعزل حينما اطلقت النار بوحشية على المتظاهرين من عمال وطلبة، فقتلت العشرات من خيرة الشباب وجرحت المئات وزجت بعشرات المئات في المعتقلات، كل ذلك بغية اسكات ذلك الشعب الثائر على الاوضاع السيئة التي حلت الدمار والخراب بالبلاد من الحكم الصبياني الطائش يسانده حراب الانجليز.

لا اتصور كيف يعتقد حكام البحرين ان هذه الوسيلة التعسفية التي ينهجونها ضد الشعب العربي هناك تؤدي الى اخماد الروح الوثابة في نفس ذلك الشعب الابي، الذي يزداد صلابة وعناداً يوماً عن يوم، لا سيما وقد مارس الكفاح وعجم عوده بالنضال المستمر منذ عشرات السنين، الحقيقة ان هذه الاعمال التعسفية ستكون السد المنيع بين تعاون الشعب مع حكامه بل ولا اغالي اذا ما قلت انه اسفين يدق في نعش الطغاة والمستبدين (...) وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون» [ص8].

 

ارسال مشاركة جديدة

تعليقات الاعضاء تُدرج بشكل تلقائي
تعليقات الزوار تُعرض على مشرف ائتلاف online قبل الادراج

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كلمة التحقق
وضع هذا السؤال لحماية الموقع من برامج الاعلانات الآلية والتاكد من ان الزائر انسان.